30‏/06‏/2013

الباشا أبو العبد


 

     قد يكون الوصول إلى كرسي السلطة يحتاج إلى محسوبية أو واسطة ذات وزن ثقيل، تستطيع رفع الشخص إلى درجة مدير عام في أي مؤسسة من مؤسسات البلد، وبعد عملية الرفع والتنصيب هذه، يُترك السيد المدير يصول ويجول في هذه المؤسسة التي وصل إليها، وفي كثير من الأحيان يكون هذا الوصول حاملا معه كل ألوان الفشل الإداري، الأمر الذي يتجه بالمؤسسة نحو التفكك والتدمير، وتصبح هذه المؤسسة عبء على اقتصاد البلد، الذي بفعل تكرر حالات الوصول إلى كراسي السلطة بطريقة المحاباة، أصبح يترنح من معاناته تجاوز المديونية حدود المقبول اقتصاديا لبلد بحجم الأردن.

     وعلى الرغم من كثرة التجارب الفاشلة في اختيار مدراء الدوائر، وتسليمهم مسؤوليات إدارة اقتصاد مؤسسات وطنية، إلا انه وفي نفس الوقت، منهم من استطاع أن يحافظ على الأقل في الظروف الصعبة، على تلك المؤسسات التي تسلموا إدارة شؤونها، ومنهم مدير عام الجمارك الأردنية غالب باشا الصرايرة، الذي صاحب فترة إدارته لدائرة الجمارك الأردنية، حالة اقتصادية صعبة، أثرت على دائرة الجمارك الأردنية كما أثرت على الاقتصاد الأردني بشكل عام، فمن الإغلاق المتكرر للحدود الأردنية من قبل الحكومة العراقية، وقطع خطوط التبادل التجاري، إلى تدهور الأوضاع الأمنية، و الإصابة بحالة من شلل الحركة التجارية مع الشقيقة سوريا، بسبب الأحداث الدائرة هناك، بالإضافة لتكرر حالات الإضراب الوظيفي، من قبل عمال ميناء العقبة والشركات المساندة له، الأمر الذي اثر على حركة مرور بضائع الترانزيت، وترتب عليه بشكل مباشر وغير مباشر عملية خفض في إيرادات دائرة الجمارك، والذي بدوره ينعكس على الإيراد العام للدولة، حيث تشكل الرسوم والضرائب المحصلة عن طريق الجمارك ما يقرب من ثلث الإيراد العام الدولة.

     أما فيما يخص الشأن الوظيفي لكوادر دائرة الجمارك، فرغم شمول دائرة الجمارك في منظومة هيكلة الرواتب الحكومية، إلا إن الباشا الكبير بأخلاقه وأمانته، استطاع أن يحافظ على مكتسبات الموظفين المالية، كتقدير منه لأهمية دور موظف الجمرك في حماية الاقتصاد الوطني، كما واستطاع أن ينأى بدائرة الجمارك من الدخول في موجة الإضرابات الوظيفية، بأسلوب على الأقل حمل معه اقل الخسائر على موظفي الدائرة.

     وعلى الرغم من تعرضي لعطوفة المدير العام للنقد في مقال سابق، بخصوص بعض الإجراءات الإدارية فيما يتعلق بعلاقة المدير مع موظفيه، إلا أنها تبقى في إطار الأخطاء التي من الممكن أن يقع بها أي مدير، تحكمها طبيعة العمل، وظروفه، وفي النهاية لا يسعنا إلا شكر عطوفة أبو العبد، على جهوده التي بذلها فترة تسلمه إدارة الجمارك الأردنية، والتي رغم كل إغراءاتها، إلا انه خرج منها بشهادة الجميع، نظيف اليد كريم النفس.

26‏/06‏/2013

الكراسي المتأرجحة




    
     كانت سياسة الدول الاستعمارية في بلادنا المُستعمرة، تقوم على تنصيب الحكام الموالين لها، وحتى بعد عصر الاستقلال الذي شهدته هذه الدول، لم تتغير هذه السياسة، فكل حاكم مدعوم من الدول المتنفذة في هذه الأقطار يؤول الحكم إليه بدون منازع.

     إلا أن الإطاحة بالرئيس التونسي المخلوع، وعقبه الرئيس المصري، والقضاء على القذافي، ولعبة الأمم وإسهامها في تنحية الرئيس اليمني، والشد والجذب الدولي في الإطاحة ببشار الأسد، ولدت لدى الشعوب العربية شعورا متزايدا بالثقة في النفس، يحملها على الاعتقاد بقدرتها على محاسبة الحكام وخلع أي منهم، رغم الدعم الخارجي الذي من الممكن أن يتلقاه، أو رغم قوة القاعدة الداخلية التي يتمركز عليها، والتي تتمثل بالولاء المطلق له من قبل الأجهزة الأمنية، أو من جماعات المصالح التي يرتبط بها.

     والحقيقة التي ندركها، أن الربيع العربي الذي أطاح بالزعامات البوليسية العربية، شكل صدمة سياسية استوجبت على دول العالم العظمى، المتنفذة في البلاد العربية والمخترِقة لأنظمتها تغيير طريقة تدخلها في زراعة الزعماء، فلجأت هذه الدول إلى طريقة استبدال المستهدفين شعبيا من الزعماء العرب قبل أن تطيح بهم شعوبهم، فأصبحت سياساتها تصب في اتجاه تغيير المرضى والعجائز بزعامات شابه، ولكن على أن تكون هذه الزعامات الجديدة أكثر ولاء لأسيادهم الجدد من ولائهم لبلدانهم وشعوبهم.

     وقد يكون هناك توجه آخر للدول العظمى، يهدف إلى استبدال المغضوب عليهم شعبيا من الحكام العرب، اللذين تعيش بلدانهم اضطرابات شعبية، بحجة تهدئة النفوس وعدم جر البلاد في دوامات التفرقة العنصرية، ولا نستبعد اتخاذ تلك الدول العظمى اتجاه سياسي جديد، يصب في تغيير احد الحكام بأحد أشقائه أو أقاربه، بحجة إغلاق ملفات الفساد في بلاده، وقطع الطريق أمام المعارضة التي تتهمه برعاية الفساد، في حين أن المعارضة نفسها غير مرغوب بها من طرف الدول العظمى، والتي يعتبر أي تنامي في شعبيتها مصدر قلق دائم ومربك لكل دول الجوار.

     فالتغيير في قطر يعني أن المشرق العربي سيعيش حالة من التغيير تعتبر ارتداد للربيع العربي، ولكن بهيمنة غربية إسرائيلية، فكثيرة هي الكراسي المتأرجحة في المنطقة، وملحة جدا المطالب الشعبية في تغيير الحكام، والدخول في إجراء إصلاحات حقيقية، تسهم في المحافظة على ما بقي من أشلاء دول مزقها الفساد والخضوع والانقياد، وعلى الجميع أن يدرك أن أزهار الربيع عمرها قصير، وان خير ما يديمها هي دورة الأيام.  


18‏/06‏/2013

إنا بك لمحزونون


 

يقول الشاعر:

(الخَطْبُ جلَّ وأُلجمتْ أبياتي ...... والصمتُ بُحَّ مردداً آهاتي)
(والدمعُ سالَ معزياً أجفانَه ....... وبكى البيانُ مُسطِّراً عَبراتي)
(والهمُ أوْغلَ سيفَه في خاطري ......  والغمُ أذْكى الحزنَ في وجناتي)

 

     لم استطع حتى وفاة والدي أن أدرك ذلك السر الذي يربط كبار السن في منازلهم وأهليهم، فقد كان المرض والحاجة الماسة لتلقي العلاج، سببا قويا جدا لإنزال والدي في مستشفى الملكة رانيا في الطيبة، حيث بقي مدة عشرة أيام في قسم ICU نتيجة وضعه الصحي الحرج، والتي قضاها وهو يقاسي حرارة الشوق للخروج من المستشفى والعودة إلى منزله، مستعدا لتحمل مرارة الألم والمرض على البقاء في المستشفى، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها الكادر التمريضي في قسم ICU في المستشفى لإنقاذ حياته، ورغم استعصاء العلاج ودخول والدي في حالة مرضية تنذر بقرب الأجل.

     وقد تكون أصعب الساعات التي عاشها والدي رحمه الله، تلك الساعات من الليل التي كان ينظر فيها من النافذة ينتظر شروق الشمس، عسى أن تحمل معها خبرا مفرحا، يُزف إليه بان له خروج من المستشفى، رغم إدراكه بأن خروجه من المستشفى يعني بالضرورة إصدار شهادة وفاته.

     لم تكن تلك الأيام العشرة بالسهلة عليه، ولم تكن بالأيام التي يُنتظر منها شفاء بالنسبة له، بل كانت في نظره أيام عذاب، ومقاساة الأشواق، والرغبة في العودة إلى المنزل، فلازال يذكر مجلسه بين بنيه وأحفاده، ولازال يحن إلى تلك السيجارة التي كانت سببا في وروده الموت، رغم اليقين بان الموت اجل محتوم، ولازال يوصي خيرا بأهله، حتى احترقت كبده شوقا.

     وبعد مضي عشرة الأيام هذه، والتي كانت صحته فيها في تدهور مستمر، دخل في حالة الإنعاش لمدة أربعة أيام أخرى، والتي وان كانت أيام صعبة على أبنائه وأشقائه ومن حوله، إلا أن خير ما يذكر فيها، ذلك الجهد الكبير الذي بذله الكادر التمريضي في قسم ICU في المستشفى، بالإضافة إلى الأطباء، والذي لا نملك حياله إلا الشكر الجزيل لهم، ونسأل الله عز وجل أن يجزيهم كل خير، لقاء جهودهم وتواضعهم وحسن تعاملهم.

     مضت تلك الأيام الأربعة عشر، وخرج والدي من المستشفى مسجى على حمالة، ملفوفا بثوب ابيض، يحوي بين طياته تلك الأشواق الحارة، وتلك الأماني العزيزة، وتلك الرحمة التي كانت تتوهج في عينيه، غادر المستشفى مغادرا الدنيا، ولكن شاءت قدرة الله عز وجل، أن يكون له مرورا ببيته قبل أن يدخل قبره، فما أعظمها تلك المشاعر التي تربط كبار السن في منازلهم وأهليهم، وما أعظم اليقين بـقول الله سبحانه وتعالى:{ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.

27‏/04‏/2013

مجلس سياسات وطني عام


     استطاعت العقلانية أن تطغى في مجلس النواب، وتمنح الثقة لحكومة النسور، مع الاحترام لكل من لم يمنح الحكومة الثقة من السادة النواب، فمستوى وتركيبة حكومة النسور جاءت ادني من المستوى المتوقع لها، وان كان دولة الرئيس قد اخذ وقت طويل في اختيار طاقم وزرائه، ولكن يبدو أن دولة الرئيس لا يفضل الاستفادة من تجارب الآخرين كحكومة الدكتور عدنان بدران مثلا.

     ورغم الحلم الكبير لدولة الرئيس، بان تكون حكومته الحكومة التي يلقى على عاتقها مهمة إرساء مبادئ جديدة للديمقراطية الحديثة، والتشاركية المأمولة، وان هذه الحكومة تعتبر بوابة الدخول للمرحلة المنشودة، في إرساء قواعد تلك الديمقراطية المنتظرة، بالتحاور البناء مع جميع مكونات المجتمع، للوصول إلى طريق واضح المعالم يجمع على سلوكه الجميع، إلا أن كلمات السادة النواب في جلسات مناقشة الثقة، دلت على أن هناك فجوة بينهم وبين دولة الرئيس، ليس من السهل على دولة الرئيس وفريقه الوزاري تخطيها بسهولة، دونا عن تخطي أي حواجز من المؤكد وجودها بين دولة الرئيس والجماعات المعارضة، سواء كانت حزبية، أو جماعات الحراكات الشعبية في مختلف مناطق المملكة.

     ومن المآخذ على السادة النواب وعلى المعارضة، أنهم يعارضون الإجراءات الحكومية في معالجة الخلل الاقتصادي والسياسي، بدون تقديم بديل، أو حلول أكثر جدوى من تلك التي تقدمها الحكومة، وهذا في حد ذاته يؤدي إلى إصرار الحكومة على تبني سياسات ومنهجية تعتمد على معطيات إحصائية رسمية، لكونها المصدر الوحيد للمعلومات، ولعدم وجود أي دراسات بحثية متخصصة من الممكن الاستفادة منها في تخطي مثل هذه العقبة.

     وباعتقادي أن هذا هو السبب الجوهري في الخلاف بين المعارضة بمختلف مكوناتها، سواء حزبية، أو حراكات شعبية، أو مفكرين وأكاديميين، وبين الحكومة، وان أي حلول تقدم بدون أن تكون مدروسة وموافق عليها بالإجماع من ممثلين عن كل منهم، ستكون دائما عرضة للنقد والتحريف، وإخراجها عن مقاصدها الحقيقية، وارى أن الأسلم لتخطي هذه العقبة، ولتخطي عقبة الدخول في حوارات فردية مع كل حزب، أو تيار، أو جهة، أن يتم تشكيل مجلس سياسات وطني عام، يضم في تشكيلته التطوعية عضو من كل حزب، وممثل عن كل محافظة، ومندوب من كل وزارة، ومناديب من الأجهزة الأمنية، ومناديب من أساتذة الجامعات، والمفكرين المتخصصين، ويتم تشكيل فرق عمل لدراسة المواضيع الاقتصادية والسياسية المتخصصة، وتقديم التوصيات للحكومة، وتكون الحكومة ملزمة بالعمل بها، وتكون هذه التوصيات وإجراءات تنفيذها، خاضعة لرقابة مجلس النواب.

     ففي هذه الحالة تقدم الحكومة المعلومة، وتحيط مجلس السياسات العامة علما بها، فيقوم المجلس بصناعة القرار الذي يراعي الظروف العامة للدولة، والخاصة بالمواطن، كما ويساعد وجود هذا المجلس على التخلص من الارتجال في اتخاذ القرارات، بحيث يكون القرار ناتج عن معلومة صحيحة يتم التأكد منها من جهة، ومن جهة أخرى يكون صادر عن متخصصين، الأمر الذي يجعل القرار أكثر إقناعا وشفافية للمواطن، الذي بات يفقد الثقة في الحكومة، وقدرتها على تجاوز العقبات التي تواجهها بدون عثرات تعود عليه بنتائج سلبية، تزيد من الأعباء المترتبة عليه، وتدفعه للمصادمة معها عند اتخاذ أي قرار.

25‏/02‏/2013

بصريح العبارة

 

     قد تكون نتائج المشاورات النيابية بين ممثل جلالة الملك، والكتل البرلمانية، انتهت مرحلتها الأولى، بالتقارب الضمني حول شخصية رئيس الوزراء، الذي يعول عليه لإدارة المرحلة القادمة، وفقا لمنهجية ديمقراطية جديدة، وان كانت تدل المؤشرات على بقاء الدكتور عبدالله النسور رئيسا للوزراء، وذلك بعد تسميته صراحة من قبل بعض الكتل النيابية، والأمر الثاني هو القبول الملكي، لأداء دولة الرئيس في البضع أشهر التي تولى بها منصبه، بالإضافة إلى إمكانيات دولة الرئيس، وقدرته على إدارة المرحلة القادمة، سيما وانه احد أقطاب المجتهدين، لإحداث إصلاحات تشريعية، واقتصادية، وسياسية، على مدى دورات برلمانية متعاقبة، كان يجلس خلالها تحت القبة.

     إلا أن المنتظر من دولة الرئيس في الفترة القادمة، قد يكون الامتحان الحقيقي لقدرات الرئيس، في انجاز إصلاحات حقيقية، يستطيع المواطن الوثوق بها، وهذا لن يكون ما لم يكن هناك برنامج وطني إصلاحي شامل، يتم الاتفاق عليه، وتحديد التوقيتات الزمنية له، والمضي قدما في تنفيذه، فأربع سنوات كفيلة بتحقيق انجازات نوعية وكمية تعود على المواطن بآثار ايجابية، إن كانت هناك نوايا صادقة، وعزيمة جادة للعمل.

     كما ونطالب دولة الرئيس، بالنظر سريعا في المطالب الوظيفية للموظفين، المعتصمين، ودراستها بموضوعية، وصولا لتحقيق امن واستقرار وظيفي للموظفين، كون انعكاسات الإضرابات والاعتصامات الوظيفية، ستكون مؤثرة على الاقتصاد الوطني، وذات نتائج سلبية، على جهود جلب الاستثمارات الأجنبية للبلاد.

كما وان من الأمور المهمة التي نطالب بها دولة الرئيس، عدم التراجع عن الانجازات الوطنية التي تم تحقيقها في الحكومات السابقة، تحت أية ذريعة كانت، فمثلا من غير المعقول التراجع عن أي من إجراءات، وتعليمات نقل وتوفيق أوضاع موظفي الدوائر الذين كانت تطبق عليهم تشريعات موظفين خاصة بهم، وهيكلة الرواتب، وضم المؤسسات الحكومية تحت مظلة ديوان الخدمة المدنية، إلى إقرار أنظمة خاصة لمؤسسات الدولة، تحت ذرائع الخصوصية لهذه المؤسسات، كدائرة الجمارك الأردنية مثلا، والتي يتم الآن العمل على إصدار نظام خاص بها، تحت اسم نظام تنظيم أعمال الضابطة الجمركية، والذي في حال صدوره سيعمل على خلق نوع من البلبلة بين موظفي الجمارك، وان الحاجة لإصدار نظام خاص بالرتب الجمركية، لا يتوجب معه بالضرورة إصدار مواد قانونية تتعلق بالعقوبات، والترفيعات، واحتساب سنوات الخدمة عند الحصول على مؤهلات علمية جديدة أعلى من قبل الموظفين العاملين بدائرة الجمارك، يسعى النظام الخاص الجديد لشقها عن نظام الخدمة المدنية، والذي يعتبر نظام عصري تتبناه الدولة، ويطبق على كل الموظفين المدنيين فيها .

     ومن الأمور الأخرى التي نتمنى أن تكون من أولويات دولة الرئيس، العمل على تغيير الدماء في الإدارات العليا، سيما وأنها من موروث التعيينات بموجب فرمانات المحسوبية والواسطة، ولا تزال تعيش في ظلام وعظامية البيروقراطية إلا فيما ندر.

23‏/02‏/2013

أحلام سلامة



     قد يكون الشعور بالخوف من إفلاس خزينة الدولة، هو السبب الذي دفع سلامة ذلك الفتى الذي كان يدرس بالصف الخامس الابتدائي، في إحدى مدارس البادية الجنوبية، لترك المدرسة، على اعتبار أن الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم، يعتبر باب من أبواب الهدر المالي، وذلك لكون  المصاريف التشغيلية في قطاع التعليم تعتبر بيئة خصبة لترعرع الفساد، حسب تقرير الفساد العالمي (GCR) 2012.

     أو لربما كان شعور سلامة بتهاوي الاقتصاد الأردني، لعدم قدرته على الاستمرار بتحمل الدعم المالي للمحروقات، وتلويح دولة رئيس الوزراء بان اقتصادنا في مرحلة حرجة جدا، لن يتعافى منها ما لم نكن على قدر من الشجاعة، واتخاذ المزيد من القرارات الصارمة بحق الطبقة الفقيرة، والمتوسطة، وذلك برفع أسعار الكهرباء المنزلية، وأسعار المياه، على اعتبار أن هاتان الطبقتان تعتبران الأكبر بالمجتمع، وان رفع الأسعار ولو بنسبة قليلة عليهما سيؤدي إلى تحقيق وفر مالي على الخزينة، بعكس ما لو تم رفع الأسعار على المستثمرين من التجار، والصناع،  والقطاعات الخدمية الأخرى، أو الطبقة الغنية من المجتمع، لكون رفع الأسعار على هذه الطبقات الاقتصادية، سيؤدي بالضرورة إلى انخفاض قدرتهم التنافسية في قطاع الأعمال، الأمر الذي يهدد بهجرة الاستثمارات من البلاد، الأمر الذي يخشاه كل منظري الاقتصاد والسياسة بالبلاد، فدفع سلامة شعوره الوطني لترك المدرسة، وحذا به للعمل، ليساعد والده ولو بشيء يسير، حيث يمكنهم بذلك تلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية لأسرتهم، التي لم يعد دخل والده يكفي لتلبيتها.

     إلا أني أرجح أن سبب ترك سلامة للمدرسة، وتوجهه للعمل، يعود لأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية، فسلامة الابن الأكبر لأبيه، وله شقيق، وست أخوات، وبقراءة مستفيضة من سلامة للواقع، وجد أن الأمور محسومة سلفا، فابن العامل سيبقى عامل، وابن الرئيس سيكون رئيس، وان العبث بالشعب والتمثيل عليهم بلعبة الديمقراطية، وملاطفتهم، ومماشاتهم على قدر عقولهم، لإقناعهم بوهم تحقيق التغيير المنشود، والقفز بالبلاد من حال إلى حال، ليثبت لهم بعد الجهد والاجتهاد، أن خير من يعتلي منصب رئاسة الوزراء باختيار الشعب، هو نفسه من كان مختارا من قبل، ولكن بطريقة التزكية الملكية، فرأى سلامة أن ملازمته لأبية في عمله، سيختصر عليه الوقت، فما دام أن عمله سيكون في الشيدية، بعد تقاعد والده، أو وفاته، فلماذا يذهب للمدرسة كل صباح، ويحمل الحكومة تكاليف تعليمه، ويضيع على اقتصاد البلاد تلك النفقات.

     قد لا يكون سلامة فكر حقيقة بالاقتصاد، أو سمع عنه شيئا، ولم يفكر أيضا بالسياسة أبدا، ولا يهمه إن كان دولة رئيس الوزراء بعد المشاورات النيابية، سيكون عبدالله النسور، أو حمزة منصور، ولكن هو حقيقة أن سلامة ترك المدرسة، وحقيقة انه يحلم بالحلول مكان أبيه، فهو منذ تركه الدراسة مع بداية الفصل الدراسي الحالي، يرافق أبيه إلى مكان عمله، ويرى أن العمل في كسارات منجم الشيدية، سيجني له في يوم من الأيام مئات الدنانير، ولا يدري المسكين أن عاصفة الفساد عندما تمر، فإنها لا تبقي لأحد شيئا.

18‏/02‏/2013

تعال احكي اللي عندك


     تسير المشاورات الرسمية بين الكتل البرلمانية، ورئيس الديوان الملكي، لاختيار رئيس الوزراء بديمقراطيتها الجديدة، والتي جاءت نتيجة الضغط الشعبي، لغايات إجراء تغيير في روتين اختيار صاحب هذا المنصب، والحقيقة التي ندركها أن الأمر حدث به تطور ملموس، بحيث قدمت الانتخابات البرلمانية للمواطنين فرصة أن يعبروا برأيهم، ويوصلوا أصواتهم، بدون اللجوء إلى الاعتصام أمام القصور الملكية، وفي الشوارع، وحمل اللافتات، أو التأثير على حركة المرور، أو حتى تكبيد الأجهزة الأمنية عناء المحافظة على امن المواطنين والممتلكات العامة، خلال الوقفات الاحتجاجية هذه، فاستبدلت هذه الطريقة التقليدية والشعبية، بطريقة أكثر ديمقراطية، بحيث يتم جلب نواب الشعب بواسطة الحافلات على شكل مجموعات صغيرة، أو بشكل فردي، إلى داخل المكاتب والغرف والقاعات المكيفة في القصر الملكي، لتتم أجواء التحاور بشكل هادئ، بين مهندس الانتخابات البرلمانية رئيس الديوان الملكي وفريقه، وبين هؤلاء الممثلين لشرائح المجتمع، وصولا لاختيار رجل المرحلة القادمة، الذي سيصل إلى كرسي الرئاسة هذه المرة مدفوعا بتزكية شعبية، قد تخفف عليه بعض الضغوط التي ستواجهه عند مباشرة أعماله.

      فدولة رئيس الديوان الملكي، يجد انه من المناسب جدا والأسلم، هو أن يجلب السادة النواب للقصر لغايات المشاورة، بدلا من توجهه هو إلى بيت الشعب، والتشاور معهم، قاصدا من ذلك توفير أجواء صحية للحوار معهم، على اعتبار أن من سيحضر من ممثلي الكتل، سيجدون أنفسهم ضيوف كرام عند دولة السيد رئيس الديوان الملكي، وبذلك يكون للمجاملة حضور واضح في اللقاء الودي الذي يجمعهم، وسيجعل من دولة رئيس الديوان الملكي متمكن من لملمة أفكاره، بعكس الحال للضيوف الذين بتغير المكان عليهم ستتشتت أفكارهم، وسيجدون أنفسهم أمام سيل من الأفكار المنتظمة، والاقتراحات الصائبة، تفصل لكل ضيف منهم على حدا، ولا يملكون أمامها إلا التوافق والمباركة، فهذه كتلة وطن، وكتلة التجمع الديمقراطي، خرجتا من أول اجتماع بالاكتفاء بوضع لمساتهما على القالب الذي سيصنع به دولة رئيس الوزراء الجديد، أما اسم دولته، فهو متروك لمرحلة لاحقة.

      نتمنى أن يكون الرئيس القادم، الذي يتم التحضير لاستلامه مقاليد رئاسة الوزراء، في زمن الديمقراطية الجديدة وفي ظل الربيع الثالث، أن لا يكون من نادي رؤساء الوزارات السابقين، أو أن يكون من كبار التجار، أو من علماء الذرة، أو من جماعة أبو نسب، وأخاف ما أخاف أن يأتي من رحم المعارضة، بعد أن انشق عنهم.

     كما ونتمنى أن تكون واجبات عمل دولة الرئيس الجديد، ذات بعد إصلاحي على كل المستويات، فالتجارب السابقة مع أعضاء نادي أصحاب لقب الدولة، كلها كانت مخيبة للآمال، وتسببت لوصول البلاد إلى ما وصلت إليه من تفشي للفساد والمحسوبية.