05‏/04‏/2017

استثمار اللجوء السوري


     كانت خطوة الحكومة بفتح بعض المهن أمام الأشقاء السوريين، خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن الوقوف عند تلك الخطوة لن يحل مشكلة الأوضاع الاقتصادية الأردنية أو مشكلة الأشقاء السوريين في المملكة.
    وكان على الحكومة الأردنية أن تستثمر اللجوء السوري للأردن في خدمة الاقتصاد الأردني، وفي معالجة مشاكل التنمية في محافظات الأردن الجنوبية الأربع، فاللاجئون السوريون في مخيمات اللاجئين الذين زاد عددهم عن مليون وربع لاجئ يشكلون ثروة بشرية هائلة لو تمكنت الحكومة الأردنية من التعامل معها والعمل على توزيعهم على كامل أقضية وألوية وقصبات المحافظات الجنوبية الأربع.




     ومن خلال هذا التوزيع يمكن الاستفادة من تشغيل المناطق التنموية في المحافظات الجنوبية، والتي كان يجب ضخ أموال المساعدات التي قدمت للاجئين في توسيع بنيتها التحتية، وفي دعم إقامة مشاريع تجارية وصناعية صغيرة في مختلف المناطق السكنية في محافظات الجنوب.
     سيما وان الخدمات الحكومية من مدارس ومستشفيات ومراكز صحية، ومكاتب عمل ومراكز أمنية، متوفرة في كل تلك المناطق، وبإدارة جيدة لتلك المرافق الحكومية بإمكانها تقديم خدماتها لكل اللاجئين الذين يدخلون منطقة اختصاصها، وبذلك نصل لحالة من التشغيل الأمثل لهذه المرافق، وإذا ظهر حاجة للتوسع في تقديم الخدمات يكون هناك ميزانية لهذه التوسعة على حساب أموال المساعدات الخارجية، ويحقق لنا هذا الوضع فرصة استثمار البنية التحتية في مناطق المحافظات بدل أن تُضخ في مناطق المخيمات مثل الزعتري وغيره.
     ويمكن أن يسهم توزيع اللاجئين السوريين في مختلف المناطق السكنية للمحافظات في تنشيط الحركة التجارية، لتواكب متطلبات هذا التغير السكاني، إضافة إلى ذلك سينتج طلب إضافي على القروض والتمويل الذي سيضخ رؤوس أموال في مشاريع تجارية وصناعية صغيرة، يمكن أن تستثمر العمالة السورية وتجعلها منتجة ومعززة للاقتصاد الوطني.
     إضافة إلى ما تقدم يمكن أن يسهم هذا التغير السكاني في تحفيز قطاع الإنشاءات والبناء لتوفير مساكن ومتاجر ومستودعات ومزارع يكون لها دور كبير في تحريك العجلة الاقتصادية للمملكة.
     والبعد الآخر والذي يعد من الأهمية بمكان أن توطين اللاجئين السوريين في مناطق الجنوب المختلفة سيؤدي إلى الحد من ظواهر العصبية القبلية السلبية، لان تواجد اللاجئين يجب أن يتمركز في مراكز المدن والأماكن السكانية، ونتيجة هذا التمركز سيجد أبناء المنطقة الأصليين الفرصة متاحة أمامهم للسكن في الأطراف، وتتشكل بذلك لكل منطقة سكنية شيئا فشيئا ضواحي تكون أكثر تنظيماً واتساعاً من مراكز المناطق السكنية القديمة، وهذا يعكس رفاه اقتصادي وتطور اجتماعي على أفراد المجتمع.
    ومرة أخرى فإن وجود اللاجئون سيسهم في ازدهار اقتصادي واجتماعي وتنموي شامل إن أحسنت الحكومة التعامل مع هذا الظرف.
    أما مسألة المخاوف الأمنية من التواجد السوري على الأرض الأردنية فهي مسألة مبالغ فيها كثيراً، ويمكن للأجهزة الأمنية المنتشرة في مختلف نواحي المملكة السيطرة على الموقف بشكل كامل، فتوزيعها الجغرافي لن يتأثر من أي خطوة يمكن أن تقدم عليها الحكومة تصب في اتجاه استثمار اللجوء السوري، وبذالك يتحقق هدفان في ذات الوقت حل مشكلة التنمية الشاملة في المملكة وحل مشكلة اللجوء السوري بتحفيزه للمساهمة في العمل والإنتاج في السوق الأردني.

    وبالنسبة للمعترضين على الوجود السوري أو المتخوفون من توطين اللاجئين السوريين في الأردن فلا مبرر لهذا الاعتراض، ما دام أن مساهمتهم في التنمية ستنعكس إيجاباً على الاقتصاد الأردني بشكل عام، وسيجد الأردني أن فرصه إنشاء مشروعه الصغير في منطقة سكنه أجدى إذ سيزداد العدد السكاني وتتوفر العمالة وتتغير الثقافة المجتمعية نتيجة تأثير هذه العوامل.

06‏/10‏/2016

تعديل المناهج نتيجة متطلب التغير في الثقافة

      قد تكون التعديلات على المناهج الدراسية التي عمدت وزارة التربية والتعليم إلى إجراءها، جعلتنا في لحظة تصادم حقيقية مع أنفسنا، ومع معتقداتنا الأصيلة التي تربينا عليها نحن جيل الآباء، والتي اكتسبناها بفعل عوامل عديدة منها طرق التعليم المنهجي، والتعليم المكتسب، وطبيعة المجتمع المحافظ الذي نعيش به، والتي تشكل بدورها البيئة المعيشية العامة لحياتنا اليومية، فجعلنا من عنوان الرفض لهذه التعديلات شعاراً نطلقه في وجه وزارة التربية والتعليم.
      ومع الشعور بالصدمة من هذه التعديلات التي أدخلت على المناهج التعليمية، والمبالغة في محاولة تصحيح الأخطاء المتراكمة فيها، إلا أنه يجب أن نتنبه إلى الحقيقة الفعلية التي نعيش لحظاتها الآن، والتي تثبت أن هناك انفصام كبير بين السلوكيات المجتمعية الفعلية التي يعيشها أبنائنا الطلبة، داخل أسوار المدارس وخارجها، وبين المناهج التعليمية التي كانت تطرحها وزارة التربية والتعليم قبل التعديل من جهة، وبين ما يتعلمه أبنائنا في المدارس، ومن خلال الثقافة البيئية التي تغيرت إلى حد كبير كل قيمها، وأصبحت تطغى على كل الوسائل التوعوية الأخرى من جهة ثانية.
       فلم تعد سيرة الصحابة مثالنا في الحياة، بقدر ما تعنينا مجاراة المشاهير من فنانين ورياضيين في لباسهم وسلوكياتهم، ولم تعد المصطلحات العربية مهمة في تنمية معارفنا، وبديلها من اللغة الانجليزية يؤدي الغرض ويجري على الألسن، ورمزية الحجاب لم تعد عنوانا للالتزام الديني والأخلاقي، في ظل انتشار ظاهرة ارتداء الحجاب على الملابس الضيقة، ولا يرمز عدم ارتداء الحجاب اليوم إلى الانحلال الأخلاقي أو الديني، بقدر ما تعبر مثل هذه الظواهر عن فوضى ثقافية، وتغير في قيم وسلوكيات وضوابط الحياة المجتمعية، وهذه فقط أمثلة بسيطة على ذلك.

     ولم تعد المدرسة المصدر المهم في إكساب الطالب القيم الدينية والأخلاقية، بقدر ما تسهم في ذلك البيئة التي يعيش فيها أبنائنا الطلبة، وخصوصاً في ظل تطور وانتشار وسائل الاتصال والحصول على المعلومات، والتي في تنوعها أصبحت تجذب الطلبة ـــــ وقبلهم جيل الآباء في هذه الأيام ــ لانتهاج الطريقة التي يريدونها لتنمية معارفهم وخبراتهم كل حسب اهتماماته، وهنا أصبحت عقدة الاعتراف التي يجب أن نقر بها، لكي نتجاوز أزمتنا الحقيقية مع الثقافة، فالاهتمامات التي نوليها لنوع المعلومة التي نريد اكتسابها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وما يلحق بها من وسائل اتصال ومعلومات أخرى، هي في الحقيقة التي ستنعكس فعلياً على المجتمع، وتصبح ثقافته السائدة شئنا ذلك أم أبينا، ومن هنا ندرك حقيقة أننا تغيرنا في ثقافتنا وسلوكياتنا ومعارفنا، قبل أن تقوم وزارة التربية والتعليم بتغيير المناهج، التي جاء تغييرها إسقاطاً للواقع الفعلي على الحال الذي نعيشه، بطريقة معاكسة للقيم الموروثة والمكتسبة، مما أسهم في صدور ردة فعل كبيرة منا، هروباً من الاعتراف بالوضع الحقيقي الذي نعيشه.

28‏/08‏/2016

لباس السويل

     تعلق في الذاكرة الأردنية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي صورة الجندي بزيه العسكري، ورافق هذا الزي منتسبي القوات المسلحة والأمن العام وقوات البادية في كل مناسباتهم الخاصة والعامة.
     وكان من المستغرب في تلك الفترة رؤية أي جندي أو منتسب للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية بغير اللباس العسكري، وكان يطلق على اللباس المدني في ذلك الوقت اسم لباس (السويل) وهذه الكلمة جاءت أصلاً من الكلمة الانجليزية ( civil ) ونحتت باللهجة الأردنية لتكون (سويل).
     وان كانت تلك الفترة والظروف الأمنية والسياسية فيها ما يبرر التقيد والالتزام الدائم بارتداء الزي العسكري، فإن الظروف والواقع المعاصر اليوم يسير في اتجاه التمسك بالزي المدني لكثير من الأجهزة العسكرية، التي لها علاقة وتماس مباشر في تقديم خدمات مجتمعية للمواطنين.
     فلا مبرر اليوم لأداء الأطباء والممرضين لواجبهم في المستشفيات والعيادات الطبية العسكرية بالزي العسكري، بل إن الزي المدني الموحد لكل من يعمل في الخدمات الطبية والخدمات الصحية يجب أن يقدم ويكون له الأولوية والأفضلية. كما أن الزي العسكري للمدرسين في مدارس الثقافة العسكرية يجب أيضاً أن يكون لباساً مدنياً لا لباساً عسكرياً، وهذا ينطبق أيضاً على مكاتب التعبئة والتجنيد.
     وفي الجانب المتعلق بالأجهزة الأمنية، فما الداعي لإلزام مرتبات مديرية ترخيص المركبات والسواقين باللباس العسكري أثناء تأدية عملهم الرسمي، وما هي الرسالة أو الدلالة التي يمكن أن يحملها اللباس العسكري لمرتبات أمن الحدود والجوازات، ذات التعامل المباشر مع المواطن المدني.
     وحتى في الوظائف ذات الطبيعة المدنية البحتة، انفرط الأمر وأصبح يسير في اتجاه العسكرة لمؤسسات مدنية يقتصر تعاملها المباشر وغير المباشر على تقديم خدماتها للمدنيين من مستثمرين، ومسافرين، وتجار، ومواطنين، كدائرة الجمارك الأردنية.
     فهذه مواقع توجه خدماتها وأعمالها لخدمة المواطن المدني بشكل رئيسي، ولابد أن يكون اللباس السائد لمرتباتها (السويل) لأن هيبة اللباس العسكري لا تعزز تطبيق القانون، ولا تسهم في تنفيذ الأنظمة والتعليمات، وفي ذات الوقت لا تحد من التجاوزات والمخالفات. ثم إن تعامل المواطن بلباقة واحترام عند مراجعته لأي مؤسسة أو دائرة سواءً كانت مدنية أو عسكرية، يمكن أن يكون من غير خوف من اللباس العسكري الذي أصبح اليوم سمة من سمات الحكومات الاستبدادية العسكرية في كثير من دول العالم المتخلف.
     فالتطور الديمقراطي الذي نعيشه في بلادنا يجب أن يواكبه تطور حضاري وتعامل مدني، وترك التعامل بالعقلية العسكرية. ثم إن نجاح مؤسسات عسكرية ومدنية ورقابية تتعامل مع المواطن بزيها المدني (السويل) كمكافحة الفساد، وشرطة الأسرة، ومكافحة المخدرات، والأمن الوقائي، والأمن العسكري، وأجهزة الرقابة في مؤسسة المواصفات والمقاييس، ودوائر الرقابة الصحية، ومراقبي البلديات، يعزز السير في هذا الاتجاه، ويدحض نظرية العسكرة التي لازالت قائمة ولازالت تجد من يدعو لها باستمرار.

     فالدعوة اليوم لكل المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية التي تتعامل مع المواطن بشكل مباشر في تقديم خدماتها المجتمعية أن تتمدن بتعاملها وزيها، لا أن تبقى تتعامل بالعقلية العسكرية، فالعرفية دفنها الحسين بن طلال طيب الله ثراه، واستبدلها بالديمقراطية، والديمقراطية في بلدنا نهج يرعاه الملك عبدالله الثاني حفظه الله، فالدعوة اليوم تسير نحو المدنية والرقي لا نحو الاستبداد والعسكرة.

30‏/05‏/2016

الرأس والجسد

     لم تحفل أي حكومة من الحكومات الأردنية السابقة بالحفاوة التي حفلت بها حكومة النسور من جلالة الملك وهم في قصر الحسينية بعد قبول استقالتها، وأشاد الملك بإمكانيات النسور ودوره في مواجهة الأحداث والصعاب التي عاصرتها المملكة فترة توليه منصب رئاسة الوزراء، وبدا ذلك واضحاً أيضاً في رسالة الملك بقبول استقالة الحكومة حيث أثنى عليه قائلاً " فمنذ أن عهدنا إليك بمسؤولية تشكيل الحكومة قبل ما يزيد على ثلاث سنوات ونصف، وفي مرحلة تاريخية غير مسبوقة من التحديات والصعوبات والغموض الذي اكتنف بما يسمى "بالربيع العربيِ"، وأنا أراقب عن كثب وبعين الرضا والتقدير، أداءكم وأداء زملائكم الوزراء الذين شاركوك تحمل المسؤولية طيلة السنوات الماضية. فكان تصديكم للتحديات والظروف التي تمر بها المنطقة، والتي تركت آثارها على الوطن، تحكمه العقلانية والواقعية، وكانت مثابرتكم على العمل والمتابعة لا تعرف الملل والكلل، بما يرضي الله عز وجل، ويحمي الوطن الأغلى والمواطن الأعز من هول الأحداث وقسوة الواقع، كلها ضمن توجيهاتنا التي حملتها، يوما بعد يوم، بكل شجاعة واقتدار"
     وحتى نص استقالة حكومة النسور جاءت فياضة بمشاعر الامتنان والتأكيد على دورها في صناعة مستقبل البلاد حيث يقول فيها النسور "فإذا قيض الله للمنطقة السلام، فإني واثق أن البنية التشريعية والاقتصادية والخدمية جاهزة لانطلاقة كبيرة نحو ما تحلم به يا صاحب الجلالة من إنجازات" .

     وفي مقابل هذه المشاعر الجياشة، انطلقت التغريدات والخواطر والتعليقات والتندرات على مواقع التواصل الاجتماعي تعكس فرحة الشارع الأردني بالخلاص من حكومة النسور، والتي وصفت بأنها حكومة الرفع، والحكومة الأكثر استهدافاً لجيوب المواطنين، وفي عهدها أيضاً زادت مديونية الدولة عما كانت عليه، فلم يلمس المواطن من خير وفضل حكومة النسور ما لمسته السلطة في الدولة التي تحتفل بمئوية نهضتها وبعيد استقلالها.

08‏/05‏/2016

العودة إلى تحت القبة

       بعد إقرار مجلس النواب للتعديلات التي طالت بعض القوانين التي تأثرت بالتعديلات الدستورية الأخيرة، لم يبقى أي حاجة تشريعية ملحة لبقاء مجلس النواب. وبذلك فان احتمال التمديد لمجلس النواب لدورة قادمة لم تعد تشكل ضرورة، وبذا فإن المجلس أطلق آخر رصاصة في سلاحه.
     فهذا المجلس لم يزد على ما سبقه من المجالس النيابية السابقة إلا بأنه كان اقرب للوفاق الحكومي التام، وكان مجلس شرعنه للقوانين الحكومية، ولم يكن مجلساً تشريعياً بالمعنى السياسي المأمول منه.
      واستطاع هذا المجلس أن يسهم في تمثيل الشعب تمثيلاً سلبياً، حيث اقر تعديلات دستورية فُرضت عليه كما فُرضت على الحكومة، مؤداها التراجع الصريح عن انجازات كبيرة حسبت للمجلس النيابي السابق، والتي رافقت أكبر احتجاجات شهدتها الساحة السياسية الأردنية في العقدين الأخيرين.
     إذاً لم يعد هناك متسع سياسي لمجلس النواب الحالي، الذي أدى الدور المطلوب منه بكل آذان صاغية لما يقال له، وسلوكيات قويمة لتنفيذ ما يطلب منه، وخرج من المعترك السياسي بانتهاء مدته القانونية، وفقاً لنصوص الدستور الذي تمكن من حمايته طيلة فترة انعقاده – واعجباه ــ، بل وأسهم في تقديم الدستور قرباناً عندما اقتضت الحاجة لذلك.

    فأصحاب السعادة الآن تتمثل مشاريعهم ومساعيهم المستقبلية في العودة الى قرع أبواب قواعدهم الانتخابية من جديد، في رحلة العودة إلى ( تحت القبة) لتصدع حناجرهم من جديد في إيصال صوت المواطن والحفاظ على مصالحه ومكتسباته، وتشريع ما يحتاج له من قوانين تحافظ على ما بقي له من حقوق وحرية لم تطل يد السلطة السيطرة التامة عليها، والتي بقيت حصراً في خيارات نوع الطعام والشراب ولون اللباس، على أمل ان يعودوا وقد وجدوا مشاريع قوانين بانتظارهم تسمح لنا بحماية حدودنا من مخاطر ما وراء الحدود، ومحاربة من يحارب أصدقائنا وممولين خزانتنا، ونسل سيوف أغمدت وقت حاجتها، ونهتف باسمك يا وطني إلى العلياء في زمنٍ تولى به الملاك كل ناصية، وتخلف الأحرار للمقعد الثاني.

03‏/05‏/2016

التحول إلى الديمقراطية


     إن الخطة التي يتبناها النظام السياسي الأردني في تأسيس قاعدة ديمقراطية، ومحاولته تعميق مشاعر المواطنة الصالحة بين أفراد المجتمع، هي خطة موضوعة للاستهلاك الإعلامي فقط، ولا تحمل نوايا صادقة وحقيقية، لأن الواقع الفعلي المنتهج من قبل الحكومة يسير في اتجاه معاكس تماماً، فكل ما يتم في الواقع هو تكريس سلطة الحاكم، وتعزيز جبهة المواجهة المحتملة مع الرأي العام الشعبي، والتضييق على الأحزاب والجماعات السياسية الفاعلة في المجتمع، وحصارها وتدميرها بمنهجيات وأساليب تختلف عن تلك الأساليب المتبعة في الدول التي انتهجت خط المواجهة المباشرة مع القوى السياسية والشعبية التي ناكفتها.
     فهذا ما يمكن قراءته من التعديلات الدستورية التي أقرت مؤخراً أو تلك التي سبقتها، والتي جرت على المسئولية الدستورية لرئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور وحكومته، فهذه الحكومة التي ورثت تعديلات دستورية عن فترة اتسمت بأنها فترة إصلاحية وان تلك التعديلات كانت مواكبة للرؤية الإصلاحية التي تنتهجها السلطة، وأنها كانت نابعة من إيمان حقيقي بضرورة المضي قدما في تعزيز الخيار الديمقراطي واعتبار أنه الحل للمشاكل السياسية التي تعرقل مسيرة الإصلاح في البلاد، فإذا كانت فعلاً النوايا صادقه فلماذا هذا الانقلاب على المسيرة الإصلاحية التي تسير بتعثر، وتحمل كل صفات الرعاية والولاية الأبوية.

     فهل حقيقة ان الحكومة الأردنية تسعى من خلال التعديلات الدستورية التي مررتها إلى إيجاد أجواء محفزة ومشجعة لتبني الخيار الديمقراطي كما تدعي، أم أنها تمهد لفرض خياراتها وسياساتها التي تريد انتهاجها، والتي تتوافق مع رؤيتها المستقبلية للأحداث التي تعيشها المنطقة، والتي من الممكن أن تكون متعارضة مع القبول الشعبي ومختلف الفعاليات والكيانات السياسية في الدولة. فاحتاطت السلطة بذلك لنفسها من خلال هذه التعديلات بملكية العصا والجزرة، لتفرض سياساتها، وتقمع معارضيها.