30‏/12‏/2013

الفساد في الإنفاق الحكومي


     يشكل الإنفاق الحكومي العام بشقية الرأسمالي والجاري اكبر تحدي أمام واضعي السياسة المالية في الدولة، فمثلا الإنفاق العام الجاري والمتمثل بالإنفاق على الدفاع والصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، يستنفذ أكثر من 85% من حجم إنفاق الدولة العام، وبالنظر للموازنة العامة للدولة، يتوجب على الحكومة اعتماد سياسة مالية رشيدة، تمكنها من تحديد أولوياتها بدقة، وتوجيه الإنفاق نحوها، والابتعاد عن أي تسريب مالي على شكل نفقات عامة يؤدي إلى هدر الموارد المالية المحدودة جدا للدولة.

     وفي هذا الصدد انوه إلى وجه من وجوه الإنفاق العام، الذي يعد تسريب مالي ينعكس سلبا على أداء الاقتصاد الوطني، وهو الإنفاق الحكومي بتأمين السكن الوظيفي، وتحمل مصاريف المساكن الوظيفية بعد ذلك، فعلى سبيل المثال تمتلك الحكومة من ضمن الدومين الحكومي، مساكن تقوم بتأجيرها للموظفين مقابل بدلات مالية بسيطة، قياسا بمستوى بدلات الإيجار للمساكن بسعر السوق، ضمن المواقع التي تكون بها هذه المساكن، وهنا قد لا تكون هناك أية مشكلة، فالحكومة لا تتحمل أية كلفة إضافية لقاء تأجير هذه المساكن ببدلات مالية وان كانت بسيطة، ولكن المشكلة تكمن في الأثر المترتب على الاقتصاد الوطني، في حال قيام المؤسسات الحكومية باستئجار شقق سكنية للموظفين بسعر السوق، من القطاع الخاص، ومنحها للموظفين ببدلات إجار رمزية مع تتحمل الدولة كلفة الفرق بين رسم الاستئجار بسعر السوق، وبدل التأجير للموظف بالبدل المالي الرمزي، وفي بعض الحالات تتحمل الحكومة أيضا نفقات الماء والكهرباء، لهذه المساكن المستخدمة من قبل الموظفين تحت اسم السكن الوظيفي.

     فإذا كنا في زمن الحديث عن العدالة المجتمعية، فمن المؤكد أن الحكومة عاجزة عن تأمين سكن لكل موظف، وتحمل نفقاته من ماء وكهرباء، فالأولى بالحكومة اقتصار تأمين المساكن على ما تمتلكه فقط من مساكن ( دومين حكومي)، ويكون التوزيع وفق آليات ومسوغات عادلة، والتوقف فورا عن دفع أي مستحقات مالية، بدل خدمات الماء والكهرباء والمترتبة على السكن الوظيفي لأي من الموظفين المستفيدين من خدمات السكن الوظيفي.

     وإذا كنا نرى أن الفساد مفهوم عام للسلوكيات السلبية و الخاطئة التي تهدف إلى اكتساب أو إكساب منفعة مادية أو معنوية بغير وجه حق، خلال ممارسة مهام تسيير عمل ما، أو خلال فترة السيطرة على القرار المسير للعمل، فيجب التوقف عن استئجار المساكن وإعادة تأجيرها بحجة تأمين سكن وظيفي لبعض الموظفين على حساب الحكومة.

     وإذا كنا نرى أن الاقتصاد العام للبلاد يعجز عن الوقوف على قدميه، فعلى الجميع تحمل مسؤولياته، وعدم تحميل العامة مصروفات الخاصة، تحت ذريعة المكتسبات الوظيفية، وعلى الحكومة ضبط الإنفاق بالشكل الذي يؤمن للبلاد تحقيق توازن مالي وتوازن اجتماعي لا يمكن لأي طرف الاستغناء عنه.

02‏/12‏/2013

العيش في ظل كذبة كبيرة


     يتميز الشعب الأردني من بين الشعوب العربية بأنه شعب متعلم، ولديه طاقات بشرية كبيرة قادرة على تحقيق انجازات تقنية وعلمية، إذا توفرت الإمكانات والموارد المناسبة، وكثير من أصحاب رايات النجاح تمكنوا من بناء قدراتهم الذاتية بعصامية تامة، واستطاعوا إثبات نظريات النجاح بكل كفاءة واقتدار، ومع ذلك أيضا تمكن أفراد من الشعب الأردني أن يثبتوا للعالم اجمع أنهم يمتلكون قدرات خارقة في التميز والفهلوة وتحقيق الانجازات العظيمة من السراب.

     فنحن في الأردن البلد الوحيد الذي استطاع أن يحقق مردود اقتصادي كبير من عوائد الخصخصة، ولم يسجل قيد قانوني واحد يثبت انه تم التصرف بأي من هذه العوائد لغير الأغراض المخطط للإنفاق عليها، بمعنى أن مستوى الفساد صفر، ونتيجة لذلك شهد قطاع الأعمال الأردني نموا كبيرا، فاق النمو الذي عاشه الاقتصاد الأردني مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وانخفض مستوى البطالة لأدنى معدل له في تاريخ المملكة، رغم التصريح الحكومي على محافظة بياناتها على نسبة 12-13% التي تتستر بها لغايات تحصيل المنح والدعم للاقتصاد الوطني، وهذه كذبة كبيرة وللأسف أننا نعيش في ظلالها ولا يوجد ما يثبت عكسها.

     أما في مجال الإبداع الإداري فحدث ولا حرج، فالحكومة تتبنى سياسات ترشيد إنفاق حكيمة، وتشدد الرقابة على العطاءات الحكومية، وتراعي في ذلك المهنية العالية، وتحرص على تحقيق أعلى درجات الجودة عند استلام المشاريع المنفذة، فالمدارس والمستشفيات والطرق المنفذة من قبل المتعهدين وشركات المقاولات، لا تعاني من أي مشاكل أو عيوب، بل يتم استلامها وفقا للأسس والشروط المحددة، ولا داعي لرفض استلام أي مشروع، فكل الكتابات على الورق، تثبت سلامة وصحة الأعمال، وان كانت الشواهد البصرية تكذب ذلك، فربما عذر الحكومة أن ذلك لا يعدو كونه خداع بصر، أو إنها كذبة كبيرة نقنع أنفسنا بصدقها، ومصداقية الحكومة عند الحديث بخصوصها.

     أما فيما يتعلق بالنظريات الاقتصادية وحجج الإقناع، فيكفي لنا تصريح صغير مقتضب من دولة رئيس الوزراء، يغني عن كل النظريات التي درسناها بالجامعات، لإقناع الشعب الأردني عالمه ومتعلمه وجاهله، بان البلاد كانت على هاوية الإفلاس، وإنها بدون عبدالله النسور ستكون في مقبرة التاريخ، وأنها ستكون بلاد بدون بشر، ونحن نصدق أن عبدالله النسور بطل وطني، أو على الأقل يشبح ببطولات مبنية على انقاذ الأوهام، والغريب العجيب أننا رغم إدراكنا لفهلوة وشطارة النسور، إلا إننا نقتنع بكلامه، وخصوصا إذا أعسل لسانه بالحديث واسترسل في حب الوطن.

    أما آخر إصدارات الفهلوة الأردنية والعبقرية الإدارية، فهي قضايا نصب على الشعب، إما أن نكون فيها ضحايا أو جناة، وهذا ما ستكشفه الأيام بعد إشاعة خبر بيع حصة مؤسسة الضمان في بنك الإسكان، فان صدق الخبر فعلى البلاد السلام، ولن يجدي لسان النسور نفعا يومها، ولن يكون المواطن ساذجا ليجد عذرا لمجلس النواب إن مرر هذه القضية، مثل ما مرر قضية الكازينو قبلها، أو ربما تحيل هيئة مكافحة الفساد القضية إلى الصندوق البلاستيكي العجيب، الذي تمكن من حفظ كبريات قضايا الفساد.

02‏/11‏/2013

طاق طاق طاقية


     زمان كنا في المدارس في حصة الرياضة، يجلسنا معلم الرياضة على شكل دائرة من كل التلاميذ في الصف، ويعطي احد التلاميذ منديل، ويطلب منه أن يدور حول باقي التلاميذ، ويرمي هذا المنديل وراء احد التلاميذ الجالسين، والمطلوب من الذي يٌبتلى بهذا المنديل أن يقوم ويركض خلف من رمى المنديل وراءه، إلى أن يمسك به، ليعود ويجلس مكانه، ثم يقوم هو أيضا برمي المنديل خلف طالب آخر، وتتكرر العملية إلى أن تنتهي حصة الرياضة، وهذا حالنا، التلاميذ جالسين وكل واحد منهم  خائف أن يرمى المنديل وراءه، و واحد راكض وملحوق من واحد راكض، والنتيجة فقط طاقة تتفرغ، وقت يضيع، ومخاوف تنتهي بانتهاء اللعبة، وبعد ما كبرنا، وجدنا أن فكرة اللعبة هي سياسة تتبعها الحكومات الأردنية المتعاقبة، كل حكومة تلف وتدور، وتتفنن في تضييع الوقت، وتفرغ طاقات البلد بلا فائدة، وتضيع موارده بلا مردود، وترمي نفاياتها على الحكومة التي تأتي بعدها.

     والطريف في الموضوع أن الحكومة الأردنية الرشيدة، طالعتنا منذ أيام، بتصاريح رنانة وذات بلاغة في التعبير، فتصريح حكومتنا الرشيدة جاء بنص - أننا انسحبنا من السوق بعد أن ضبطنا الأسعار- كسياسة علاجيه من قبلها، لحل مشكلة ارتفاع أسعار الخضار.

     والعجب أن الحكومات الوطنية الشفافة التي تتفنن في إيجاد الحلول للمشاكل بعد وقوعها، لا يوجد لديها تطلعات حقيقية للمستقبل، ولا تكاد خططها الإستراتيجية تزيد عن مجموعة أفكار، مصبوبة في قوالب لا تصلح إلا للاستهلاك الإعلامي والكلامي التنظيري، وإعلانه على شكل خطط مستقبلية لا تطمح الحكومات لتحقيقها بجدية، بل تحلم وتتأمل أن يكون لديها عزيمة على أن تحققها، فالإرادة والجدية والموضوعية، مصطلحات ليست موجودة في قاموس المخططين والمفكرين الاستراتيجيين في بلادنا، عداك عن المنفذين وأهل السلطة.

     فكل ما نستطيع إيجاده من أفكار في جلسات العصف الذهني، هو إجابات عن ماذا فعلنا عندما واجهتنا هذه المشكلة العام الماضي، والإجابة طبعا تكون صرح مصدر مسئول أن الحلول الجذرية لهذه المشكلة، تكون بتنفيذ خطة الحكومة في تحديد الأولويات وبرمجة أوقاتها، إلا أن ما تسبب في الإخفاق، هو عدم مبالاة المواطنون في تبني الأفكار الإستراتيجية التي تقترحها الحكومة، وعدم الكف عن مهاجمتها إعلاميا، ولجوء بعض المسئولين في بعض الأحيان إلى التراجع عن تنفيذ الخطة، وإصرارهم على تطبيق سياسات تقليدية انفرادية، تتماشى مع مصالحهم واعتباراتهم الخاصة.

     فمشكلتنا لم تكن محصورة في تحرير أسعار المشتقات النفطية، بل ظهرت مشكلة الكهرباء، ولم تنتهي المشاكل برفع الدعم الحكومي عنها، بل أصبحت المشكلة اليوم في قدرة الحكومة في التعامل مع توفير الغذاء للمواطن، بما يتناسب مع دخله وإمكانياته، ولم تقف المشاكل عند هذا الحد، فمع سقوط حبات المطر مع بداية الموسم المطري، صاحت عمان من الفوضى، ويصرح مصدر مسئول على الإذاعة الأردنية، أن حلول مشاكل عمان، قد يحتاج لملياري دينار على الأقل، لتكون عمان مدينة نظيفة وصالحة للعيش، بدون مشاكل في تصريف مياه الأمطار.

     فإلى أن تنتهي لعبة اللف والدوران الحكومي، والى أن ينتهي زمن الخوف من الوقوع في حبائل الدولة، والى أن تنتهي سياسات تضييع الموارد الوطنية، أرجو أن يجد التلاميذ في المدارس لعبة غير كرة القدم، لان المستوحى من اللعبة، أن الحكومة ستركل المواطن بأقدامها حتى يدر لها دخلا، تستطيع من خلاله البقاء واقفة على أقدامها، إن انطلى على كرة القدم ما انطلى على لعبتنا القديمة طاق طاق طاقية.

29‏/10‏/2013

طين بطين


     من أقوال الجاحظ قوله: ليس في الأرض عمل أكدُّ لأهله من سياسة العوام، وينقل عن شيخه واصل بن عطاء قوله، ارجعوا الطيان إلى تطيينه، وكل إنسان إلى صناعته، واعلموا أن المنطق يقول ( قاربوا هذه السفلة(العوام) وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، واعلموا أن الغلبة لمن كانت معه، وان المقهور من صارت عليه).

    وفي الواقع إن كنا نتذمر من التوريث في المناصب القيادية في بلادنا، ونستكثر على دولة احدهم انه ابن دولة، وحفيد دولة، وآخر دولة شقيق مدير مخابرات، واحدهم معالي ابن معالي، أو معالي زوجة معالي، أو مستشار ابن دولة، أو مدير ابن دولة، فالتاريخ السياسي الإسلامي مليء بمثل هذه الأفكار والسلوكيات، ففي العصر العباسي كان هذا التوريث أيضا موجود، فمثلا الوزير ابن مقله، خلفه ابنه وهو في الثامنة عشرة من عمره ( فطحل ابن فطل)، وكذلك تولى أبو الفتح بن العميد الوزارة بعد أبيه، وعمره واحد وعشرون سنه ( ابن عز يا عمي)، ومن آل خاقان أربعة وزراء في سبعين سنة ( مطوبة بأسمائهم الوزارة )، وكذلك تقلب أربعة من بني الفرات الوزارة في خمسين سنة ( ليش آل خاقان أحسن منهم يعني)، وكان ابن العميد وزيرا لعماد الدولة، وكان ابنه وحفيده وزيرين لركن الدولة ( إحنا بهالبلد أحسن منهم يعني)، وأما بنو وهب فقد توارث عشرة منهم أرقى مناصب الدولة، وكان أربعة منهم وزراء ( ومستكثرين اليوم على واحد وعياله ثلاث كراسي قيادية).

     وعلى الرغم من الركض وراء الإصلاح في بلادنا، ودب الصدر بالالتزام بهذا النهج، إلا إننا نجد أننا كل يوم نترنح ونرجع للوراء - بالمخابطة والملاخمة- وكل ما نحاول نتفهم مصيبة ونلتمس أعذار، تظهر لنا مصيبة اكبر عشر مرات - وهات دبرها عاد-  واقنع هالشعب بالمصالح الوطنية العليا، وبعد النظر السياسي الثاقب -  وزغردي يا مطيعة -.

     بلد فيه ستة ملايين بني آدم، من غير الإخوة السوريين والمصريين، وباقي الجنسيات العربية والأجنبية، استبعد الثلثين منهم بحجة أننا شعب فتي، باقي مليونين، خلي تسعين بالمائة منهم ما هو قاري ولا يفهم بالسياسة والإدارة- ول هالميتين ألف اللي بقو - منتو لاقين منهم كم واحد تحطوه مسئول، وتسووا منه شخصية كبيرة بهالبلد، بدل هالي حاطينهم وتكرروهم وتورثوهم واغلبهم وجهه ورا، ومهتمين بتلميعهم، وتعملوا منهم رواد التغيير والإصلاح، وكل خلفيتنا عنهم طين بطين.

22‏/10‏/2013

حلو لسان قليل إحسان


     يبدو أن الأعذار التي كنا نلتمسها لدولة رئيس الوزراء، والتي جاء بها إلينا عند تحرير أسعار المحروقات، لم تعد تؤدي الغرض منها عند تحديد أسعار قوت المواطن، وان النتيجة التي وصلنا إليها، أن السياسات التي اتبعها دولة الرئيس لإنقاذ الاقتصاد الوطني كانت سياسات تحزُرية، وتخمينية، أكثر منها علمية وواقعية، بدلالة بقاء المشكلة الاقتصادية قائمة، رغم العلاجات الجراحية التي قام بها دولة النسور وأثقلت كاهل المواطن، وزعزعت الثقة بالوضع الاستثماري في المملكة.

     ومما يلاحظ على سياسات دولة الرئيس المالية، انه حريص على ما بأيدي الناس وجيوبها، على ما هو موجود في خزانة الدولة، وذلك باتخاذ إجراءات تحرير ورفع، بدل اتخاذ إجراءات حقيقية وفاعلة في تخفيض الإنفاق، والاكتفاء بتلك اللائحة التي تصدر بها الكلام من دمج بعض الهيئات وإلغاء أخرى، فكانت كالماكياج على وجه العجوز.

     وعلى الرغم من تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد، فان اللوم لن يتعدى النسور، فالرجل أتى بمجلس نيابي استطاع من خلاله أن يحافظ على كرسي رئاسة الوزراء، فهذه لعبة الديمقراطية، وهذه فنونها، فهذه الحصانة التي يرجو دولته أن تثمر ثمارها، شرط من شروط الإصلاح الذي يطالب به الشارع، وسكانه، ومن هو مؤهل للإقامة بالسجون، والمساجين أصحاب المطالب الإصلاحية.

     إلا انه وبرغم الوعود الكثيرة بحصانة إرادة الشعب في اختيار الرئيس، إلا أن أيام النسور باتت معدودة لسببين من وجهة نظري، أولهما أن دولة الرئيس بقي عليه تحرير أسعار الخبز، وهذه لن تشكل له هم كبير، فالرجل يمتلك من حلو الكلام ما يمكنه به من إقناع الشعب بالضرورة الاقتصادية الملحة لهذا القرار، وانه قرار استراتيجي لإنقاذ اقتصاد البلاد، بعد تخلى الدول المانحة عن دعم الحكومة نتيجة قراراتها المحافظة على المصالح العربية الإستراتيجية، ونتيجة محايدة القرارات الحكومية وعدم تدخلها بالشؤون الداخلية لدول الجوار والمنطقة.

     أما السبب الثاني فقد يكون لا دخل لدولته به، ولكنه سيكون آخر من يعلم به، فهو أن القرار السياسي في البلاد يفرض على أصحابه التخلي عن أي رئيس وزراء إذا رأى أن الرئيس قد أنهى المهام التي كلف بها - لا اقصد بكتاب التكليف - ولكن التي كلف بها ليكلف أصلا، ويبدو أن النسور قد قطع شوطا كبيرا في السراح بعقول الشعب، وقد أفنى كل حلو الكلام الذي اكتسبه خلال حياته السياسية والعملية، وقد وصل إلى النتيجة التي ستحكى عنه، كثمرة لهذه الخبرة الطويلة من بنات شفاه الناس، وهي أن دولته حلو لسان قليل إحسان.

01‏/08‏/2013

بيروقراطية القُضاة


     من المتعارف عليه أن الجهاز التنفيذي الحكومي يعتبر بيئة خصبة لاستفحال البيروقراطية، ومع ذلك استطاع الجهاز الحكومي من خلال تبنية سياسات خدمة الجمهور، وتطبيق معايير الجودة، أن يُحسن من أداءه، ويتجاوز نقاط الضعف في كثير من الأحيان، وصولا إلى تقديم خدمات في غاية السهولة، وخير مثال على هذا التعافي من المرض البيروقراطي، تطور وتميز أداء إدارة ترخيص السواقين والمركبات، كجهة عسكرية تقدم خدمات مباشرة للجمهور، وأداء الجمارك الأردنية، كجهة حكومية مدنية، في سرعة تقديم الخدمات ووضوح الإجراءات المتبعة لديهم، لتقديم تلك الخدمات لمتلقي الخدمة.

     ولكن تعظم المشكلة عندما يكون المرض البيروقراطي مستفحلا في أجهزة السلطة القضائية، ومن خلال التجربة الشخصية في هذا السياق، فقد استمرت إجراءات قضية تصحيح اسم في معاملة متوفى، في إحدى محاكم البادية الجنوبية، إلى قرابة الشهر، بين أول جلسة والنطق بالحكم، إلى البشرى بقرب استلام قرار الحكم، فعند النطق بالحكم قلنا فُرجت، إلا أن رحلة البيروقراطية كانت في أول الطريق، فكانت عملية تسليم صاحب الدعوى لقرار الحكم تحكمها كثير من العقبات، أولها عدم التفرغ لطباعة صفحة على برنامج الوورد تتضمن نص قرار الحكم، ثم تدقيق هذه الصفحة وتوقيعها من سعادة القاضي، ثم تسجيلها في الديوان وتسليمها لصاحب العلاقة، ليقوم بدورة بمتابعة إجراءات قضيته، والتي للآن ننتظر أن نحصل عليها منذ أكثر من عشرة أيام.

     عجبا لمن يكون خصمه قاضيا، كيف له أن يحصل على حقه، أو ربما إن سعادة القاضي يحتاج لكثير تأمل واستغراق في النصوص القانونية، لكي يستجلي الحق ويلحقه بأهله أو أن سعادة القاضي يرى انه سلطه لا تعلوها سلطه، فقديما قالوا إن كان خصمك القاضي فمن تقاضي، حتى بدأت أفكر جديا بالتوجه لمحكمة أخرى، وإقامة الدعوى من جديد عند احد القضاة، عسى أن يكون اقل بيروقراطية، أو يكون على الأقل اقل كاريزمية من صاحبنا سعادة القاضي.

عسى الله أن يحفظ لنا هيبة القضاء، بعد أن فقدنا هيبة الأمن.

30‏/06‏/2013

الباشا أبو العبد


 

     قد يكون الوصول إلى كرسي السلطة يحتاج إلى محسوبية أو واسطة ذات وزن ثقيل، تستطيع رفع الشخص إلى درجة مدير عام في أي مؤسسة من مؤسسات البلد، وبعد عملية الرفع والتنصيب هذه، يُترك السيد المدير يصول ويجول في هذه المؤسسة التي وصل إليها، وفي كثير من الأحيان يكون هذا الوصول حاملا معه كل ألوان الفشل الإداري، الأمر الذي يتجه بالمؤسسة نحو التفكك والتدمير، وتصبح هذه المؤسسة عبء على اقتصاد البلد، الذي بفعل تكرر حالات الوصول إلى كراسي السلطة بطريقة المحاباة، أصبح يترنح من معاناته تجاوز المديونية حدود المقبول اقتصاديا لبلد بحجم الأردن.

     وعلى الرغم من كثرة التجارب الفاشلة في اختيار مدراء الدوائر، وتسليمهم مسؤوليات إدارة اقتصاد مؤسسات وطنية، إلا انه وفي نفس الوقت، منهم من استطاع أن يحافظ على الأقل في الظروف الصعبة، على تلك المؤسسات التي تسلموا إدارة شؤونها، ومنهم مدير عام الجمارك الأردنية غالب باشا الصرايرة، الذي صاحب فترة إدارته لدائرة الجمارك الأردنية، حالة اقتصادية صعبة، أثرت على دائرة الجمارك الأردنية كما أثرت على الاقتصاد الأردني بشكل عام، فمن الإغلاق المتكرر للحدود الأردنية من قبل الحكومة العراقية، وقطع خطوط التبادل التجاري، إلى تدهور الأوضاع الأمنية، و الإصابة بحالة من شلل الحركة التجارية مع الشقيقة سوريا، بسبب الأحداث الدائرة هناك، بالإضافة لتكرر حالات الإضراب الوظيفي، من قبل عمال ميناء العقبة والشركات المساندة له، الأمر الذي اثر على حركة مرور بضائع الترانزيت، وترتب عليه بشكل مباشر وغير مباشر عملية خفض في إيرادات دائرة الجمارك، والذي بدوره ينعكس على الإيراد العام للدولة، حيث تشكل الرسوم والضرائب المحصلة عن طريق الجمارك ما يقرب من ثلث الإيراد العام الدولة.

     أما فيما يخص الشأن الوظيفي لكوادر دائرة الجمارك، فرغم شمول دائرة الجمارك في منظومة هيكلة الرواتب الحكومية، إلا إن الباشا الكبير بأخلاقه وأمانته، استطاع أن يحافظ على مكتسبات الموظفين المالية، كتقدير منه لأهمية دور موظف الجمرك في حماية الاقتصاد الوطني، كما واستطاع أن ينأى بدائرة الجمارك من الدخول في موجة الإضرابات الوظيفية، بأسلوب على الأقل حمل معه اقل الخسائر على موظفي الدائرة.

     وعلى الرغم من تعرضي لعطوفة المدير العام للنقد في مقال سابق، بخصوص بعض الإجراءات الإدارية فيما يتعلق بعلاقة المدير مع موظفيه، إلا أنها تبقى في إطار الأخطاء التي من الممكن أن يقع بها أي مدير، تحكمها طبيعة العمل، وظروفه، وفي النهاية لا يسعنا إلا شكر عطوفة أبو العبد، على جهوده التي بذلها فترة تسلمه إدارة الجمارك الأردنية، والتي رغم كل إغراءاتها، إلا انه خرج منها بشهادة الجميع، نظيف اليد كريم النفس.