16‏/01‏/2013

النقاط على الحروف


     وضعت الورقة النقاشية الثانية التي أطلقها جلالة الملك، النقاط على الحروف، وان كان صفوة ما جاء فيها قول الملك: (إن رئيس الوزراء القادم، والذي ليس من الضروري أن يكون عضواً في مجلس النواب، سيتم تكليفه بالتشاور مع ائتلاف الأغلبية من الكتل النيابية.

     وإذا لم يبرز ائتلاف أغلبية واضح من الكتل النيابية، فإن عملية التكليف ستتم بالتشاور مع جميع الكتل النيابية، وبدوره سيقوم رئيس الوزراء المكلّف بالتشاور مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة البرلمانية الجديدة والاتفاق على برنامجها، والتي ينبغي عليها الحصول على ثقة مجلس النواب، والاستمرار بالمحافظة عليها).

     نعم فاختيار رئيس وزراء على قدر كبير من الكفاءة ودرجة عالية من النزاهة، وسمعة طيبة بين أوساط الشعب الأردني، سيؤدي إلى تحقيق تقدم كبير في المسيرة الإصلاحية التي ننشدها ونتطلع إليها، ويتطلع إليها كل أحرار الوطن، وهذا الأمر الذي طالما كان منتظرا، والتي نرجو أن تكون لحظة التغيير حيالها قد اقتربت.

     فإذا تمكن الشعب الأردني من اختيار مجلس نيابي على قدر من المسؤولية، واستطاع الملك أن يكلف رئيس وزراء كفؤ، واستطاع الرئيس أن يشكل حكومة قادرة على الشعور بمشاعر المواطنين، وقادرة على تلمس احتياجاتهم، وجادة في انتهاج طريق الإصلاح، وتبني خطوات عملية لتحقيق انجازات حقيقية وواقعية، تنعكس على أداء الحكومة بمختلف مؤسساتها، وعلى فئات الشعب بمختلف طبقاته الاجتماعية، فعندها سنكون فعلا قد سلكنا الطريق الصحيح نحو الإصلاح، وان كان الركب يسير بثلة من الأهل، ولكن إذا ثبت للناظرين حسن النوايا، فعندها سيلحق بالركب من تخلف عنه.

     أما إن بقيت الأمور على ما كانت عليه، ولم يزد الإصلاح أو مسعى الإصلاح، عن كلام يخرج من فوق الحناجر، فان النتائج لن تكون سارة لأحد، لأنه عند هذه اللحظة الفارقة من الزمن، ستُفقد المصداقية أو ما بقي منها، وعندها أيضا ستكون الخطب العصماء، وإشارات التهديد سيان لكل من يسمع ويرى.

15‏/01‏/2013

اعتبارات نجاح انتخابات 2013


     تتفاوت وجهات نظر المواطنين حيال الانتخابات النيابية، بين مقاطع بشكل مطلق، وبين مشارك ترشحا وانتخابا، في هذه التجربة التي تتسم باعتماد القوائم الانتخابية. 

     إلا أن إجراء الانتخابات في ظل مقاطعة كثير من الأحزاب والجماعات السياسية والشعبية، التي تعتبر محور التأثير في الحراك الأردني، الذي يشارف عمرة على العامين، والذي كان سببا غير مباشر في حل مجلس النواب السابق، والذي يعتبر أيضا عنصر ضغط كبير على القرار السيادي في البلاد، سيؤدي حتما إلى عدم قبول نتائج هذه الانتخابات، وهذا الرفض نابع من إصرار الحكومة على تجاهل المطالب التي نادت بها هذه الأحزاب والجماعات الشعبية، والتي أدت في النهاية إلى مقاطعتها للانتخابات.

     إلا أن هنالك بعض الاعتبارات التي قد يؤدي توفرها في مجلس النواب المنتخب، إلى توفير مستوى من الرضا الشعبي، يساعد على تخطي مرحلة اللا قبول عن النتائج، وتسهم أيضا بالوصول إلى مرحلة انتقالية، يمكن من خلالها تحقيق إصلاحات تشريعية، تسهم بتجاوز مرحلة الجمود بين المؤسسات الحكومية من جهة، وبين الفعاليات الشعبية بمختلف أطيافها من جهة أخرى، والتي يمكن استعراضها كالآتي:

     أولا: أن لا يتجاوز عدد النواب العائدين للمجلس الجديد من المجلس المنحل أكثر من 20% من عدد النواب ومن القوائم الانتخابية الكلي، والسبب في ذلك أن النواب السابقون رغم قدرتهم الكبيرة على تقديم خدمات للناخبين، إلا أن الأداء الفعلي من الناحية التشريعية، والتي تعتبر المهمة الرئيسية لهم، كان أداء يتسم في غالب الأحيان إلى الميل للمقترح الحكومي، والاستجابة لضغط المؤسسة الحكومية بشكل كبير، الأمر الذي يعكس تصور ضعف أدائهم التشريعي.

     ثانيا: أن لا يكون ميل النواب المستقلين، الذين سيصلون إلى مجلس النواب محسومة سلفا، لصالح حزب، أو جماعة، أو قائمة انتخابية محدده، الأمر الذي يعني تقييد حرية القرار والموقف لصالح جهة محدده، فتكسبها قوة خفية، مما يؤدي إلى هيمنتها على قرارات المجلس، لان ذلك سيؤدي حتما إلى إفراز مجلس نواب يحكم قراراته وتوجهاته مزاجية وقناعات شخص محدد، لان الفترة الراهنة تؤكد غياب المؤسسية عن عمل الأحزاب، أو حتى القوائم الانتخابية.

     ثالثا: أن يكون مستوى التمثيل في مجلس النواب لكل شرائح المجتمع، وبطبقاته المتنوعة، وان لا ينحصر في الطبقة الغنية من المجتمع، وفئة التجار، ويعود السبب في ذلك إلى أن الطبقة الغنية والتجار، ابعد ما يكونوا عن إدراك الشعور بهموم المواطنين، الذين تعد طبقتهم الفقيرة الطبقة الطاغية في المجتمع.

     رابعا: أن تحرص القيادات السياسية التي ستستقر تحت قبة المجلس، على أن لا تفرض نفسها على المجتمع، لكون كثير من هذه القيادات التي تخوض سباق الانتخابات، تعتبر أسماء غير مرغوبة في المراكز القيادية شعبيا، وعلى مستوى المملكة، وان كانت لديهم القدرة الشخصية على المنافسة، والوصول إلى كرسي السلطة، بفضل عوامل متعددة يملكون أدوات توجيهها، لان تمسك هذه القيادات بالسلطة سيؤدي إلى ردة فعل لا تحمد عقباها.

     من هنا نجد أن الوصول إلى نقطة التقاء بين من قاطع الانتخابات، لعدم يقينه بجدية المساعي الرسمية، الرامية إلى الوصول إلى بيئة سياسية قادرة على إفراز مجلس نيابي قوي، قادر على تحمل أعباء المسئولية التشريعية والإصلاحية، وبين من شارك في العملية الانتخابية معتقدا بان الفرصة المتاحة، والظروف الحالية، كفيلة بالوصول إلى نتائج ايجابية تسهم في دفع النهج الإصلاحي العام الذي تتبناه المؤسسة الرسمية، ممكنه في حال تم إفراز مجلس نيابي يتمتع أعضاءه بالنزاهة والكفاءة، أما في حال تم استنساخ مجلس نيابي عن المجالس النيابية السابقة، فالنتيجة لن تقدم أي مكاسب للمؤسسة الرسمية، بل ستكون زاد الثورة على التقليدية الديمقراطية، وهذا ما لا يتمناه احد.

08‏/01‏/2013

انتخابات نزيهة


     أطاحت الإرادة الشعبية بحكومة سمير الرفاعي، الذي حضي بالثقة المعيارية المشهورة لمجلس النواب، الذي فُصل في عهده، واخذ اسم مجلس الـ 111، وخلال أربعين يوم من هذه الثقة الكبيرة، رحل دولة الرئيس، ابن دولة الرئيس، حفيد دولة الرئيس.

     وبرحيل حكومة سمير الرفاعي، حلت علينا حكومة دولة معروف البخيت، الرجل المشهور وصاحب الخبرة في إدارة العمليات الانتخابية، ففي عهد حكومته السابقة، ذاع صيت مجلس النواب الذي زورت نتائجه جهارا نهارا، وظهرت على العلن وباعترافات على أعلى المستويات، ولم يحالف الحظ دولة الرئيس في فترة حكمه الجديدة، فالغضب الشعبي لم يجعله يقوى على الصمود، فرحل مسرعا.

     ثم جاءت حكومة دولة عون الخصاونه، وان كانت حكومة ثار حولها الجدل، وجرى في ظلها سكون طفيف، إلا أنها أيضا رحلت بغضب ملكي هذه المرة لا غضب شعبي، وكان من الأسباب المعلنة لاقتلاعها قانون الانتخاب، وتحديد موعد محدد لإجراء الانتخابات النيابية، التي تسعى القيادة لإجرائها في أسرع وقت ممكن، على اعتبار أنها ستكون الحل السحري الذي سيخرج البلاد من دوامة المطالب الشعبية، في إجراء إصلاحات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، ومحاربة الفساد، ولما كان قانون الانتخاب علة الخلاف بين القائد والزعيم، استوجب عزل الرئيس الذي بادر وأعلن استقالته وهو خارج البلاد.

     وسرعان ما أتتنا حكومة دولة فايز الطراونه، والذي بقدومه أحيا الصوت الواحد من الموت بقدرة قادر، ثم انجاز قانون انتخاب بكل مراحله الدستورية، ثم التنسيب بحل مجلس النواب، الذي كاد أن يودي به عشية إعلانه رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية، ثم ليرحل عن كرسي الرئاسة استنادا لأحكام الدستور.

     فجادت علينا الأقدار، بأن يلي أمرنا من كنا نعده من الأخيار، فجاءت حكومة دولة عبدالله النسور، فوجدنا الرجل الذي طالما كان معارضا، يكتشف انه كان للأمر جاهلا، وان اقتصاد بلادنا انهار أو كاد، فعجل بالبدء من حيث وقف سلفه، وكاد أن يدخل البلاد في حالة انفلات، معتقدا أن ما كان يجب أن يكون، لا مجال إلا أن يكون، فمن الشعب من اعذر له صنيعه، ومنهم من أنكر عليه جراءته، ولما كان أصل قدومه للحكومة إجراء الانتخابات النيابية، فقد تيسر له أن تُعد العدة لان تكون على عهده، ويؤكد الرجل على أن هذه الانتخابات ستكون حرة ونزيهة، ونقول له صدقت، فكل من في الساحة لا يشكل نقلا أو تجديدا عن العهد السابق، فمن كان منه الخوف قد سبقك يا دولة الرئيس بإعلانه مقاطعة الانتخابات، فلماذا سيكون التزوير إذاً.

     ولكن يا دولة الرئيس أسالك مستنكرا، هل سيقبل الشعب الذي سيملأ الصناديق يوم الاقتراع أوراقا، بان يكون الرئيس في يوما ما، ممن رُفعت أسماؤهم على يافطات المتظاهرين، وطالبوا الحكومة بوقف سيل فسادهم وفساد ذريتهم.   

30‏/12‏/2012

مجلس نواب 2013


     يبدو جلالة الملك في ورقته النقاشية الأولى، التي أطلقها مع بدء مرحلة العد التنازلي لإجراء الانتخابات النيابية، متفائل  بالمرحلة القادمة، لدرجة انه يرى أن المرشحين للانتخابات النيابية يسعون لشرف تحمل المسؤولية، وليس اندفاعا منهم لتحصيل منصب يسهم بتحقيق مكاسب شخصية لهم.

     كما ويحث الملك الناخبين، على ضرورة منح أصواتهم للمرشحين الذين يولون الوضع الاقتصادي، والقضايا الوطنية، والرؤية المستقبلية، الأهمية اللازمة، وتجنب أولئك المرشحين الذين تربطهم بهم علاقات شخصية، وصلات قربى.

     كما ويدعوا الملك إلى عدم الالتفات إلى اختلافات الرأي، التي أخذت من المقاطعة وسيلة للتأثير على الممارسة الديمقراطية، وحالت دون حدوث التوافق المنشود، وحث على تجاوز هذه الخلافات، عملا بمبدأ أن الديمقراطية لا تكتمل إلا بالمبادرة البناءة، وقبول التنوع والاختلاف في الرأي.

     وقدم جلالته أربعة مبادئ وأساسيات لا مجال للحياد عنها، ويجب أن تصبغ سلوكياتنا السياسية والاجتماعية، كي نصل إلى نظام ديمقراطي بالمستوى الذي نطمح له، وهي أن الاحترام والثقة المتبادلة واستيعاب كل منا للآخر، أساس الشراكة بين الجميع، كما إن المسائلة لمن في موقع المسؤولية، ومحاسبة ممثلين الشعب على أساس التزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم، تعد استمرارية لنهج الديمقراطية، وعدم انقضائها مع سقوط ورقة الاقتراع في الصندوق، والتركيز على تغليب لغة الحوار، وتقديم المصلحة الوطنية على ما سواها، واستخدام الأدوات الديمقراطية في وقتها المناسب، ونبذ العنف والتخريب بكل أشكاله، وأخيرا فان الانجازات والمكاسب ثمرة لجهد الجميع، والتضحيات في سبيل تحقيق هذا النجاح، يجب أن يسهم به الجميع أيضا.

     واختتم جلالته بالتأكيد على أن الأردن دخل مرحلة جديدة من النضج السياسي، داعيا الجميع للمشاركة بقوة، في صناعة مستقبل البلاد، من خلال التصويت بالانتخابات.

     وفي قراءة موجزة للواقع، نجد أن المترشحين للانتخابات النيابية هذه الدورة، هم امتداد للمرشحين في الدورات السابقة، وان كانت نسبة من ترشح من أعضاء المجالس النيابية السابقة هذه المرة اقل من التوقعات، إلا أن طابع القدرة على تقديم الخدمات يبقى هو العنصر الأكثر جاذبية لأصوات الناخبين.

     ثم إن بنية قانون الانتخابات التي جاءت على نظام الصوت الواحد، هي ركيزة أساسية لوأد أي نية إصلاحية على مسيرة الديمقراطية، بل وان نظام الصوت الواحد هو مقياس غير دقيق للدلالة على الوزن السياسي للكيانات السياسية، تتمسك الحكومة باستخدامه للمحافظة على بنية الدولة التقليدية.

     ثم إن المخاوف من امتداد سيطرة الإسلاميين في المنطقة، جعلت الحكومة تبحث عن تكوين سياسي مضاد قادر ولو إعلاميا على ملء الفراغ والعزوف السياسي في البلاد، لتكوين نواة مشروع ديمقراطي جديد، يتماشى مع ضروريات ومتطلبات الفترة الراهنة، وان كان هذا التكوين لا يعبر عن أغلبية شعبية، أو حتى نصف الأغلبية من طموح الشعب، فلجأت للقوائم الوطنية وبعض الأحزاب اليسارية، لاستخدامها كبدائل مطروحة، لإكمال مشروع الديمقراطية الجديدة بمجلس نواب 2013.

25‏/12‏/2012

على اعتبار ما سيكون


     إن فرار بن علي من تونس، وسقوط مبارك في مصر، وقتل القذافي في ليبيا، وتنحية علي صالح عن عرش اليمن، واستماتة بشار للحفاظ على عرشه الذي ورثه عن أبيه، كشف للمواطن العربي مدى تشبث الحكام العرب بالسلطة، ومدى استماتتهم في البقاء على عروشهم، وان وصل الأمر إلى حد القتل، الذي أصبح عندهم أسهل من الاعتقال أو التعذيب، في صفوف أفراد الشعب الثائر في بلادهم.

     نعم أصبح المواطن العربي يشك أن كل حكام العرب تخرجوا من مدرسة واحدة، تعلموا فيها فنون التنكيل بالشعب، فالظاهرة تبدأ إمكانية استشعارها من قبل المواطن المسكين، من الرفاهية التي يعيش بها هؤلاء الزعماء، في حين أن شعوبهم تئن تحت وقع الفقر، ثم من قراراتهم التي لا تخدم إلا مصالحهم ومصالح أعوانهم وزبانيتهم، وإصرارهم على المراهنة على الحصان الخاسر دائما، وتوجهاتهم التي تقود البلاد والعباد إلى الهاوية.

     ففي العراق شرقا سيرتج كرسي المالكي ارتجاجا عنيفا، وسيُسقط العراقيون المالكي، لأنه عنوان الأزمة العراقية، فالمراهنة على صداقة المالكي لن تجلب لنا سمنا ولا عسلا، وان كانت ستجلب له مزيدا من الثقة بالنفس وشيئا من الغرور.

     وفي سوريا شمالا، بدأ الجيش السوري الحر يجهز مشنقة بشار الأسد، الذي لم يبقى أمامه كثير من الوقت، للصعود على منصة الإعدام، ولن تنفعه يومها كل ترسانة روسيا الحربية، نعم سيثأر السوريون من بشار، الذي قتل أطفالهم، ونسائهم، وشيوخهم، وهدم بيوتهم، وتفنن في تعذيبهم، وجعل من المخابز أهدافا لطائراته الحربية، يخلط لهم طحين الخبز بدم الموت.

     فإذا كنا نتمسك بالمحافظة على علاقة طيبة مع نظام الأسد المتهاوي، أو نظام المالكي اللاحق به على عجل، فإننا حتما سنكون في وضع لا نحسد عليه بعد حلول الربيع، فهما نظامان يعيشان ساعة الاحتضار، ولن تكون لنا عند من بعدهما سابقة معروف، أو يد إحسان، وعلى ذلك سنعامل منهما، وبذلك نكون خسرنا الميت، وما تعوضنا بالحي.

     علينا أن نعي تماما، أن ما يدور حولنا، لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، أو موافقة مسبقة ليصل إلينا، فالخطأ في هذه المرحلة التي نعيش بها، وفي ظل الظروف التي نمر بها، معناه انتحار شعبي شامل، وخسران مبين، لا يستطيع أي منا تحمل نتائجه، ولن تقوى حكوماتنا مهما تقشفت، أو أصبحت نزيهة ونظيفة، من الاعتماد على نفسها، إن اقفل أمامها باب المشرق، أو باب الشمال، فيجب أن يكون موقفنا اليوم من الأحداث التي تدور حولنا، يأخذ بالاعتبار ما سيكون غدا.

09‏/12‏/2012

أنقذونا


     تعمل الحكومة جاهدة، على تعرية التيارات السياسية من أي طابع للمصداقية الوطنية تتصف به، فتهمة العمل بأجندات خارجية تشكل عنوان إعلامي بارز للتشويه، وأسلوب مفضل لديها، والشخصيات المعارضة عملاء في نظرها، وتطرح على الطاولة أمام الناس كل أخطائهم ، وتستخدمها كأدلة إعلامية على صدق ادعاءاتها، أما الحِراكات فتتهمها الحكومة بأنها حِراكات غير منضبطة، وأنها منفعلة دائما، وسقف شعاراتها خارج نطاق سيطرتها، مما يجعلها عرضة دائما للقمع الأمني.

     وفي المقابل تناكف التيارات السياسية والحِراكات الشعبية الحكومة، وتنظر للقرارات الحكومية على أنها قرارات خاطئة دائما، وفي أحسن أحوالها قاصرة عن تلبية الحد الأدنى من الطموحات الشعبية، وتستخدم أسلوب استعراض القوة في الشارع لتجبر الحكومة على التراجع عن قراراتها، التي تعتبر مرفوضة في نظرها.

     هذا السجال الدائر منذ قرابة العامين في بلادنا، نعيه، وندركه، وننفعل لأجله تارة، ونجاريه تارة أخرى، ونتابع أحداثه أول بأول، ونتجاوب معه بشكل كبير، حتى وجدنا أنفسنا لا نحن من حقق الإصلاح، ولا الحكومة التي نجت من الملام الشعبي، ونكتشف بعد ذلك أن الوقت الذي كنا نؤجج الشارع به على بعضنا البعض، استثمره المفسدون في نشر الحبوب المخدرة بين الشباب في مجتمعاتنا كافة، فلا تكاد تخلو حارة من حارات المدن أو الأرياف الأردنية، من مروجين لهذه الحبوب المخدرة، ولا أبالغ إن قلت أن كثيرا من بيوتنا أصبحت تعرف هذه الحبوب المخدرة، التي لقيت من المتعطلين، ومن طلاب المدارس، وحتى بعض أرباب الأسر، مستهلكين لها.

    فعلى الدولة التي تتشدق بأنها دولة تحمي المواطن، وأنها توفر له الأمن، وان وجودها هو سبب النعيم الذي ينعم به، وتتخذ من الأمن ذريعة في إقناع المواطن بان لا يعارض سياساتها، ويخرج في المسيرات الاحتجاجية المناهضة لها، أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، وتقاوم انتشار تجارة الحبوب المخدرة التي عمت البلاد.

     ليس من المعقول بعد كثرة الشواهد، أن يخرج لنا مسئول في أي من الأجهزة الأمنية، ليقول أن الأردن بلاد ممر لمثل هذه التجارة، وليست بلد مقر لها، لأننا حينها لن نستطيع أن نصف هذا المسئول بأقل من انه كاذب، فكفى تعامي عن هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في المجتمع، بسبب القصور الأمني في معالجتها، فمن المؤكد أن هذه الحبوب المخدرة لا يتم إنتاجها محليا، وإنما أتت من خارج البلاد، ولا يلي حماية الحدود الأردنية إلا الأجهزة الأمنية بمختلف مسمياتها، فأي قصور في الواجب، فهو مسؤوليتهم، ومسؤوليتهم وحدهم، والضرر اللاحق بالمواطنين أيضا من مسؤولياتهم.

     فهل تعجز الأجهزة الأمنية عن ملاحقة هؤلاء المفسدين وضبطهم، وتخليص الناس من شرهم، وهل تعجز الحكومة عن إصدار تشريعات رادعة لهم، فإذا كانت الحكومة تجيد التضييق على حريات الناس، فهل هي عاجزة عن مواجهة هذه الموجة من الفساد، فالواجب الملقى على عاتق الأجهزة الأمنية، هو التصدي لمثل هؤلاء، قبل أن يعم البلاء، ويصل إلى مراحل يصعب علاجها أو السيطرة عليها.

02‏/12‏/2012

إما حكمة أو فوضى


     قد تكون عدم قدرة التيارات السياسية و الحراكات الشعبية على الاتفاق فيما بينها، لتعمل برؤية مشتركة، وتوحد جهودها في التعامل مع المعطيات الموجودة لديها بمرونة كافية، ساعد الحكومات الخمس التي عاصرت حراكات الشارع على التغلب على نشاطاتها، والحد من تأثيرها على مدى العامين الماضيين، فالحياة كلها قائمة على المسايسة واغتنام الفرص، والملاحظ أن النهج المتبع من كل الأحزاب والحراكات من جهة، والحكومة من جهة أخرى، تقوم على تصيد الأخطاء للآخرين.

     ولو نظرنا للواقع الأردني لوجدنا أن الحراكات تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد والفاسدين، متخذة من قانون الانتخاب والتعديلات الدستورية ويضاف إليها قرار رفع الدعم عن المحروقات نقطة البداية للحل، وحجر الخلاف مع الحكومة في نفس الوقت، فإفراز قانون انتخاب لم يأتي متوافق مع رأي الأغلبية، هو نتيجة شرعية لمجلس نيابي منحل، أتى أصلا بطريقة يشوبها التزوير، فهذه حقيقة محل إجماع، ومع ذلك فالمطعن بصحة ما صدر عن هذا المجلس غير قانوني، والواقع العملي اليوم يحتم العمل بقانون الانتخاب المطروح رغم سلبياته، وكان أولى بالتيارات السياسية العمل على التأثير على الناخب، لكي يرشح أفضل الموجود، رغم وجود عقبة الصوت الواحد، مع احتفاظها بحقها في الامتناع عن الترشح والتصويت، للتقدم ولو بخطوات بطيئة لإفراز مجلس نيابي يكون أصلح حال من المجلس الذي سبقه، يكون قادر على تجاوز عقدة الخلاف بإفرازه قانون انتخاب يرقى لمستوى طموحات التيارات السياسية، ويستطيع تخطي نقاط الخلاف، ويمهد هذا المجلس لدخول مرحلة انتقالية في مسيرة الحياة السياسية في البلاد، تستطيع بعدها من إرساء أسس العدالة التي ترى أنها غائبة، وتعمل على إصلاح المؤسسات الحكومية التي بلغ منا التردي مبلغة، بفعل السياسات القديمة القائمة على الواسطة والمحسوبية والتوريث.

     قد يكون هذا الطريق طويل، ولكن من المؤكد أنه سيكون الطريق الآمن، والذي سيعزز مصداقية هذه التيارات والحراكات عند المواطن، الذي ينأى بنفسه عن الدخول في سجال هذه التيارات السياسية والحراكات الشعبية مع الحكومة، وإتباع هذا المنهج سيعزز هذه المصداقية  لدى الجميع بشكل ايجابي وقوي.

     فنحن بحاجة ماسة في هذا الوقت للثقة المتبادلة، وبحاجة أيضا لان تكون نظرتنا واقعية، ومطالبنا في حدود الممكن والمتاح، وعدم تعمد استخدام طرائق الإرباك في القرارات والتوجيه، وتأجيج مشاعر الناس، وإخراجها من حالة ضبط النفس والتعقل، لحالة الانفعال والصدام المباشر، فكلفة هذا الانفعال والصدام باهظة على الجميع، فلم تزل دموع الحزن حارة على فقد المقابلة الذي كان من آخر ضحايا الفوضى العارمة، والذي لحق بصحبة ممن قضوا في مثل هذه الصدامات من مدنيين وعسكريين، عداك عن المصابين من أقرانهم.

     فإذا كنا جميعا نبتغي الإصلاح، فنحن بحاجة إلى اتحاد في العمل، وتوحيد في الرؤية، واتفاق على المنهج، وبحاجة لنكون على قدر المسؤولية، لنتمكن من إحراز النجاح، وتفادي المعيقات بدون خسائر.