19‏/04‏/2023

يوم العلم الأردني


      مع انطلاقة الثورة العربية الكبرى في 10/ 6/ 1916م، رُفعت الراية الممثلة للشريف الحسين بن علي التي امتازت بلونها الأحمر (القرمزي)، وهي راية الهاشميين المتوارثة منذ فرض السيطرة العثمانية على بلاد الشام والحجاز عام 1517م، واستمر اعتمادها حتى الذكرى السنوية الأولى للثورة العربية الكبرى 1917م، وفق ما ذكر جايمس بار في كتابه "الصحراء تشتعل" (ص 159)، مؤكداً أنه بعد هذا التاريخ تم اعتماد راية جديدة للثورة العربية الكبرى تتكون من ثلاثة قطع ملونة متساوية العرض تمتد أفقياً لتتحد في مثلث، وتستمد هذه الأجزاء الأربعة رمزيتها من الحضارة الإسلامية، إذ رمز اللون الأسود للخلافة العباسية، واللون الأبيض للخلافة الأموية، فيما كانت رمزية اللون الأخضر للدولة الفاطمية، وتتوحد هذه الأشرطة الثلاثة في مثلث أحمر قاعدته تلي السارية يمثل ثورة الشريف الحسين بن علي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ترتيب ألوان الراية لم يعتمد الترتيب الزمني في تاريخ نشوء الدول الإسلامية، لأن اختيار اللون الأسود في الطبقة العليا مع نسبته للدولة العباسية التي جاءت لاحقة للدولة الأموية يعارض ذلك، وينطبق ذلك على ترتيب اللون الأخضر بين ألوان الراية، والراجح أن تقديمه في ترتيب ألوان الراية عائداً لكون اللون الأسود يمثل راية الرسول صلى الله عليه وسلم، المعروفة باسم (العقاب)، لهذا قُدم على باقي ألوان الراية في الترتيب، وحتى عند قراءة رموز ألوان الراية من الأسفل إلى الأعلى لا يستقيم الأمر لأن ظهور الدولة الأموية سابق لظهور الدولة الفاطمية والتي بدورها لاحقة لتأسيس الدولة العباسية.

وهذه الألوان الأربعة أيضاً لها رمزية مشهورة في الشعر العربي وفق ما جاء في قول الشاعر صفي الدين الحلي:

بيضٌ صَنائِعُنا سودٌ وَقائِعُنا ***** خُضرٌ مَرابِعُنا حُمرٌ مَواضينا

    وخلال العهد الفيصلي في سوريا من تشرين أول/ أكتوبر 1918م، إلى آذار/ مارس 1920م، رفعت راية الثورة العربية الكبرى على المرافق الحكومية، وعند اعلان المؤتمر السوري العام استقلال سوريا بحدودها الطبيعية في 8/ 3/ 1920م، أقر المؤتمر السوري العام رفع الراية السورية الجديدة، وهذه الراية هي راية الثورة العربية مضافاً إليها نجمة سباعية في وسط المثلث الأحمر، وفق ما جاء عند نقولا زيادة في كتاب الثورة العربية الكبرى (ص 70). 

ويذكر الدكتور بكر خازر المجالي في مقال له بعنوان يوم العلم الأردني، أن المجموعات المرافقة للأمير عبدالله بن الحسين (الملك المؤسس) التي وصلت إلى معان في يوم 21/11/1920م، كانت ترفع راية الهاشميين الحمراء، وراية سوريا ذات النجمة السباعية، التي ترمز إلى المناطق السورية السبع، وبقيت هذا الراية تمثل الراية الرسمية لحكومة الشرق العربي، وفي العام 1922م، تمت إعادة ترتيب ألوان هذه الراية بحيث نقل اللون الأخضر إلى أسفل أجزائها مكان اللون الأبيض الذي أصبح يتوسطها.

     ومن ذلك الحين استقر شكل الراية ومقاساتها وفق ما جاء في المادة الثالثة من القانون الأساسي لشرق الأردن والذي تقرر العمل بع اعتباراً من 16 نيسان/ أبريل 1928م، حيث جاء نص المادة بالصيغة التالية: "تكون راية شرق الأردن على الشكل والمقاييس التالية: طولها ضعف عرضها وتقسم افقياً إلى ثلاث قطع متساوية متوازية العليا منها سوداء والوسطى بيضاء والسفلى خضراء ويوضع عليها مثلث أحمر قائم من ناحية السارية قاعدته مساوية لعرض الراية والارتفاع مساو لنصف طولها وفي المثلث كوكب أبيض مسبع حجمه مما يمكن أن يستوعب دائرة قطرها واحد من أربعة عشر من طول الراية وهو موضوع بحيث يكون وسطه عند نقطة تقاطع الخطوط بين زوايا المثلث وبحيث يكون المحور المار من أحد الرؤوس موازياً لقاعدة المثلث" انظر: ناهض حتر، في القضية الأردنية العربية (ص 92).

     ولما كان أول إقرار رسمي لشكل الراية الأردنية وتحديد مواصفاتها جاء بموجب القانون الأساسي لشرق الأردن الذي بدأ العمل به رسمياً بتاريخ 16/ 4/ 1928م، كان ذلك مناسبة لاعتبار هذا اليوم من كل عام، يوماً وطنياً للعلم الأردني، وتمت اتخاذ هذا القرار الإداري بموجب كتاب دولة رئيس الوزراء رقم 76/11/1/9778 تاريخ 31/3/ 2021م.


رابط نشر مقال يوم العلم الأردني في موقع عمون

05‏/04‏/2023

قراءة انطباعية في رواية "77 خريفاً" للكاتبة الأردنية فاطمة محمد الهلالات

 


     من إصدارات دار وائل للنشر في العام 2021، رواية بعنوان "77 خريفاً" للكاتبة الأردنية فاطمة محمد الهلالات، جاءت الرواية في 216 صفحة من القطع الصغير. تكرمت الكاتبة بإهدائي نسخة من الرواية فوجدت أن أقل الشكر قراءة الرواية وكتابة انطباعي عن مضمونها.

فإن كانت بداية الحديث عن أركان الرواية، نجد أن الكاتبة أعطت اسماء وكنى للشخصيات الثانوية في الرواية، ولم يكن الأمر كذلك مع بطل وبطلة الرواية، فذكرتهما في سياق الرواية بلا اسماء صريحة، استعاضت عن ذلك بتوظيف الحوار المباشر، مستخدمة الفعل والضمير، ومع ذلك كان توظيفها لــ (قال، قالت، أنا، أنتَ، أنتِ، صديقي) مريحاً للقارئ، وإلى جانب هذا الاستخدام، تمكنت الراوية من وصف شخصية كل منهما وصفاً تصويرياً، يكسب القارئ القدرة على إدراك حجم المعاناة التي تمثلها كل شخصية، فكانت بطلة الرواية فتاة غامضة الماضي والحاضر والمستقبل، وبطل الرواية شاب اكتسى ثوب الرهبنة الاجتماعية لا الرهبنة الدينية، في دلالة على الحرمان من مكتسبات الحضارة نتيجة الظروف التي يعيشها، وهذا الانطباع تولد مرة من الوصف المكاني لسكن بطل الرواية إذ يقول: "أنا أسكن صومعةً هناك، وإن شئتِ كهفاً.. سمّيهِ ما شئتِ" (ص 15)؛ "وقام من فراشه، وألقى أنّات جسده المرتجف على مقعده القديم" (ص 140)؛ "شعر بيد أبيه تمسك بالمقعد المنزلق في تيه الكهف" (ص 141). ومرة تالية تولد من قوله: "أخبرتكِ ذات مرة أنني لا أملك هاتفاً.. تلفازاً.. ولا حتى راديو.." (ص 182).

أما مسرح أحداث الرواية، فكان متنزه عام تكاد تشاهده من دقة وصف الكاتبة له، فمن جهة يطل هذا المتنزه على حافة منحدر، والجهة المقابلة الثانية للمتنزه يمتد على طولها طريق يعج بحركة المرور، وفي الجهة الثالثة من جهات المتنزه يمكنك مشاهدة موقف الحافلات، ويحيط بهذا المتنزه جدار حجري، ويحوي بين أركانه مقاعد خشبية ومقاعد صخرية، ونباتات مزروعة وأرجوحة، وهذا المكان بكل مكوناته له خصوصية هامة في تطور التدرج الزمني لسردية الرواية، فقد مثل حالات الفرح والسعادة لمرتاديه قبل تفشي وباء "كورونا"، ووفر فرصة اللقاء بين شخصيات الرواية، وفي مرحلة الحظر التي فرضتها إجراءات الوقاية من انتشار وباء "كورونا" وموت المكان من الزوار، ومن الفتاة التي مثلت دور البطولة في الرواية، بقي هذا المكان شاهداً على لهفة الشوق إلى لقاء بطلة الرواية من قبل "صديقها" بطل الرواية، الذي امضى أيام الحظر يرتاد المتنزه، ويشغل نفسه في مطالعة أوراق بطلة الرواية التي تركتها في حقيبتها على مقعدها عند آخر زيارة لها للمتنزه، ومن ثم الالتقاء من جديد في نفس المكان بعد تخفيف إجراءات الحظر، وبهذا التفاعل المكاني والزماني، تكون سردية الرواية كشفت عن ركنها الزمني بكل وضوح، والذي مثل زمن التعايش العالمي مع وباء كورونا.

أما البنية الموضوعية للرواية، فأنها تأسست على ثلاثة محاور تحاكي تقلبات الذات الإنسانية، ونطاق صراعها مع الأحداث الاجتماعية، وانعكاس هذا التأثير على تطلعات الفرد في بيئة عاجزة عن احتواء طموحاتها.

تبنى المحور الأول من سردية الرواية فكرة مقت الواقع، الذي انتجته التفاعلية البشرية السلبية في جوانبها الاجتماعية المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية، بحيث تكونت صورة ضبابية تخفي وراءها الحزن والبؤس من ويلات الحروب والنزوح والتشرد، نتيجة اجتهادات الحكام، والزعماء، والقيادات السياسية، وتجار الحروب، وكل من تولى للمجتمع الإنساني مهمة ولم يخلص في أدائها، وذهب مقدماً مصالحه الخاصة ومصالح فئته على حقوق العامة، وعلى الرغم من خصوصية الشرق كإقليم جغرافي في سردية الرواية، فأن الراوية لم تقف عند حدوده فقط في تأطير هذه الصورة، بل جعلت لها فضاء يتمدد ليُظل بظله كل العالم، فعن مطاحن الحروب تقول: "كلما طهوا بالدم كعكةً لمصلحتهم قالوا: لله .. للأديان .. للحق" (ص24). وتقول: "وهذه الأرض يا صديقي أرضٌ خضبتها الدماء والحروب منذ بداية الخليقة" (ص 29). وفي حوارها السردي عن المناسبات الاجتماعية والإنسانية، توظف انطباعها على لسان بطلة روايتها بصورة تدعو للدهشة، فمثلاً كان لها بمناسبة ذكرى عيد الحب رأي يقلب معنى الاسم إلى ضده بسياق شعري، إذ تقول:

"نعم، العيد أحمر ووردهُ أحمر

وأحمرنا لون الخوف

ولون الدم

يسيل رخيصاً في التراب

تغسله دمعات المطر

تحت أقدام العسكر

وأشباه البشر....." (ص 32)

المحور الموضوعي الثاني للرواية، كان يمثل حالة من حالات تفاعل الراوية مع الرواية، يظهر ذلك من خلال العاطفة الجياشة في السردية الروائية، التي كانت تحاول تكوين صورة عظيمة متخيلة لدور شخصية الأب في صبغ شخصية الأبناء، ودور هذه الشخصية المعين والمساعد في تخطي الأبناء لمصاعب الحياة، واللجوء إليه عند كل مرحلة من مراحل العمر، أو عند كل موقف قهر يخلخل كيان الفرد، لكن معالجة الراوية لهذا المحور كان يخالطه الكثير من الحزن والألم، نتيجة سبق الموت لروح الأب، ومقاساة شدة الحرمان من عاطفة الأبوة، والعيش في كنف اليتم ــ وكفى باليتم شر رفيق ــ فتخاطب نفسها فتقول: "وأنا يا أبتِ لم أعرفكَ فأنا لا أذكرك .. ولكن لهذا القلب دقاتٌ مختلفة وحساباتٌ ..." (ص 137)، وبلغة شعرية تقول:

 "وأُحادثك في نفسي

في كثير من الكلام

كنتُ أتمنى أن أحكيه

لو كنت معي" (ص 120).

وفي مواضع أخرى توظيف فرصة اطلاع صديقها بطل الرواية على أوراقها ورسائلها التي كتبت فيها خواطرها، فيقول في ذلك: "قرأتُ كلاماً كثيراً عن أبيها في رسالتها السادسة"... قالت فيها:

ومنذ رحلتَ يا أبتِ

وكلانا ميت

أنا فوقَ الأرض

وأنتَ تحتَ الأرض" (ص 130).

"وكتبت لك رسائلاً خبأتها لك

في جوف الليل" (ص 131).

وعندما يجتاح الحزن مشاعرها تخاطب والدها تقول: "هنا في مخدع الحزن يا أبتِ، كلما اشتدَّ حزني فاض حنيني إليك..." (ص 136).

وأميل هنا إلى القول بأن أسم الرواية جاء من استحضار هذه العاطفة، فكانت الدلالة عليه برمزية "77 خريفاً"، والتي يمكن تفسيرها بمجموع المدة الزمنية لعمر بطلة الرواية وعمر والدها ــ مع إمكان تفسيره تفسيراً آخر وفق سردية الرواية ــ وهذا الاستدلال يمكن أن يقودنا إلى الاعتقاد بأن المحور الموضوعي الأول والثاني من الرواية يحاكي فن السيرة الذاتية، مع الحرص على استخدام الأسلوب الفني الأدبي في الحوار السردي في بنية الرواية الموضوعية.

أما في المحور الموضوعي الثالث من محاور الرواية، فقد حاولت الراوية من خلاله خلق مفهوماً خاصاً للصداقة، فكان مصطلح "صديقي" مفتاح الحوار مع بطل الرواية على لسان البطلة، وفي الوقت نفسه، كان هذا المصطلح مثار التساؤل في نفس بطل الرواية، فلماذا تناديه "صديقي" وماذا تريد أن تفهمه؟ لا إجابة لا تخمينات، "وكانت كلما حدثتني تقول لي يا صديقي، ومنذ عرفتها وهي تجلس وحيدة! واستحضرت ذاكرته قولها لما سألها عن وحدتها وأكدت أنا منذ البدء وحدي، ولماذا تقول لي يا صديقي، وأنا غريب، وهي لا تصادق أحداً؟!" (ص 129).

ومن نتائج تعلمها من دروس العمر تقول: "أربعون عاماً من عمري مضت، لأفهم بأنه ما كان علي أن أضع رأسي على كتف أحد ..." (ص 133)، وتقول: "وأنا لم أخبركَ يا أبتِ أنني يوماً قد احتضنتُ صخرة، هل كان ذاك الحجر أرق وأرحم من قلوب كثيرة زرعت بين ضلوع البشر؟!" (ص 139).

وفي تمام سياق الرواية، تصور لنا عمق المشاعر التي فاضت بها نفس بطلة الرواية تجاه بطل الرواية بقولها: "كانت تتخيل .. وهي تضع رأسها باطمئنان على كتفهِ الأيمن، قال: بِمَ تحلمين؟ قالت: لا أحلام، هذا هو كل ما كنتُ أحلم به" (ص 207). وكأنها تريد أن تقول لنا أن صدق المشاعر ونبل الأخلاق، وقدرة الأفراد على التفاهم هو طريق السعادة، لهذا قالت في الحب: "ومن قال أنّ الحب كلمات تُقال ووروداً تُهدى، ونسيج شموع وخيال... من يحبك هو إنسان عميق الوجود في واقعك، يكون معك، كما أنت معه في كل شيء" (ص 8)، وعادت آخر الرواية لتقول لنا تذكرون موقف الحافلات الموجود على تلك الجهة من المتنزه، فإن به حافلة تنتظر ركوب صديقي بها ليسافر "وضع قدمهُ اليمنى على درج الحافلة، وأجهشَ ... فرحلَ بعضُها وبقيَ بعض..." (ص 209).

كانت سردية الرواية متماسكة واستطاعت الراوية التنقل بين محاور الرواية بسلاسة، وتمكنت من عكس مؤثرات الحالة التي تناقشها في نفسية القارئ، وكانت دقيقة في استخدام العبارات والكلمات، فكانت تشير إليها في سياق الحديث، ثم كلما تقدمت في قراءة سردية الرواية تجد أنها كانت تؤسس عليها البناء الموضوعي للرواية، فكل كلمة تكاد تكون مهمة في الرواية. وإلى جانب ذلك كان للخطاب الشعري حضوره في سردية الرواية، ومحاولة تفسير الأفكار التي تطرحها بأسلوب فني لطيف.

12‏/03‏/2023

قراءة انطباعية عن رواية "آرام" للكاتبة الأردنية فاطمة الهلالات


 

    أقامت مديرية ثقافة محافظة معان في مركز الأمير الحسين بن عبدالله الثاني الثقافي فعالية احتفالية بتاريخ 1/3/2023، بمناسبة إشهار رواية "آرام" الصادرة بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، للكاتبة الروائية فاطمة محمد الهلالات. وخلال الفعالية أهدت مديرية الثقافة لكل شخص من الحضور نسخة من الرواية، وحظيت كل نسخة بتوقيع الإهداء من قبل كاتبة الرواية، والحال هذا حثني على قراءة الرواية، ومن ثم كتابة ما فاض به مداد القلم عنها.

رواية "آرام" كاتبتها نشمية أردنية عانقت في صباها وشبابها أصالة ارتباط الإنسان بالمكان، وتأثرت بالإرث التاريخي الخالد الذي تركه الأدوميون ومن ورث حضارتهم من الأنباط، ومن جاء بعدهم إلى يوم الناس هذا، فجاءت صرخة الحياة من ضواحي البتراء، لتقل: أنا هنا، لتقل: أن الإبداع إلى الآن ينثر أريج عطرة من منحوتات الصخور الوردية، لتقل: أعيش معكم معشر البشر وأشعر بأحاسيسكم أين ما كنتم في كل أرجاء الدنيا، لتقل: خذوا عني هذه الرواية. وجعلت بطل روايتها شاباً في الرابعة من عقود العمر أسمته "يوسف"، وهذا الولوج للعالم الذكوري جنب الراوية استغراق توظيف الأنا في السردية الروائية، وخلصها من طغيان الحكم العاطفي الأنثوي على مجريات الأحداث التي تعايش معها بطل روايتها، والتي تمثل منعطفات الحياة الاجتماعية بمختلف جوانبها.

وحتى تتمكن الراوية من تكوين صورة عامة للرواية، بنت فكرة الرواية على تدفق مستفيض من الأحلام التي تغلف حياة بطل الرواية "يوسف"، وخلقت من تفسير هذه الأحلام أدوات الطرح الموضوعي للمشاكل اليومية، وتكوين الانطباع الشخصي الذي يعبر عن فلسفة تعايش الفرد مع واقعه الاجتماعي، ومجمل ما يدور في خلده عن تصوراته للمعاناة الإنسانية، في عالم اختلت فيه معايير الحكم والتوازن.

فمنذ البداية كان مولد بطل الرواية في نظر والدته نحساً عليها، لأن والده مات بعد مولده، وهذا الشعور لم تُخفِهِ الوالدة عن ولدها، وهو ما ترك في نفسه الأثر السلبي تجاه مباهج الحياة وزينتها، امتد أثره مع مراحل عمره المختلفة، حتى عندما تزوج وكون نواة الأسرة لم يستطع تحمل تراكمات المشاكل والخلافات الزوجية، ولم يكن لديه بدائل للتعامل معها، ولم يجد مخرجاً للتخلص منها إلا طلاق زوجته "سمر"، واستمرت معه عقدة فشل تجربة الزواج ما تبقى من عمره، فلم تعد فكرة الزواج تُشغل باله، وإن حرص أعز أصدقائه على تغيير قناعاته، وهنا وظفت الكاتبة فيض من أحلام "يوسف"، فمرة كان يحلم بأنه يبحث عن فردة حذائه المفقود، في مكان لا يعرفه، ومرة يرتدي ثوباً لا يناسب جسده، وأن عليه أن يخلعه، ومرة يحلم بأن مركبته تهوي به وبزوجته في منحدر، وهو عاجز عن تفادي الموقف. وآخِر ما رآه قبل فراق زوجته، أنه يسلم عليها بيد مقطوعة.

ثم جاء قرار "يوسف" الخروج من قريته التي كان كل سكانها من عشيرته وأقاربه، لأنه لم يعد يجد فيها ما يدعوه للبقاء، بعد طلاقه لزوجته، ووفاة والدته، فما فائدة كثرة الأقارب والمعارف إن لم تكن تربطهم عاطفة ومحبة، لا بل إن العلاقات السائدة بينهم هي علاقات النفاق والتحاسد والبغض والظلم، فكان يتنامى في نفسه الشعور بأن يتركهم ويرحل، ولم يغب عن خلد الكاتبة أن توظف هنا ما يبرر هذا القرار ويؤكد رشده، فكان منها أن وظفت لذلك حلم رآه "يوسف" في منامه، يخبر عنه بقوله: "رأيت قريتي تغرق في ماء عميق كأنه البحر، ويعلوها الماء حتى أقصى قمم جبالها، واختفى الناس، وانمحى أثر المساكن والبيوت، ولم يبقَ غيري جالساً على قمة أحد جبالها، وبيني وبين الماء شبرين اثنين فقط"، هنا تدخلت الكاتبة من جديد فخلقت شخصية في روايتها مهمتها تفسير الحلم، كنت صاحبها بأبي قيس، فمنحته فرصة مقابلة "يوسف" في سفره، أو قل جعلت منه طيف مُتخيل يعرض في خاطر "يوسف" في ليلة سفر مرهقة، فسر حلم "يوسف" قائلاً: "لقد وقعت قريتك في الفتنة فعلاً، وما كان بينك وبين تلك الفتنة سوى ما ذكرتَ فنجوت".

لم تَكُف الأحلام عن المرور بخاطر "يوسف"، ولم تتوقف تأويلاتها عند حد، لكن توقفنا عند بعضها، وتركنا منها الكثير في سياق سردية الرواية لمطالعة القارئ، لأن الراوية نوعت في تناول المواضيع الاجتماعية، وقلبت مزاج القارئ بين يأس، وأمل، وحزن، وتوقع، وكان لها أقوال أطلقتها على لسان بطل روايتها "يوسف"، عند كل صعوبة تواجهه ويفكر فيها بالانتحار، فكانت تتدخل وتشعل في نفسه فتيل مصباح الإيمان، وتطلق على لسانه القول: "ولكن ما جدوى أن تنتحر؛ لتتخلص من أوجاع عالم دنيوي مؤقت زائل فانٍ، لتلقى حساباً وجزاءً جحيمياً أبديّاً؟!".

إلى جانب تعمد كاتبة الرواية تضمين الأحلام في سردية أحداث الرواية، كان لها إبهام آخر تعلق باسم الرواية "آرام" فآرام مصطلح استخدمته الكاتبة، ولم توظفه كشخصية من شخصيات الرواية، وحتى عند ذكرها في آخر الرواية لشخصية من الشخصيات باسم "آرام" لم تكن "آرام" هذه هي ذات "آرام" التي بدأت معنا الإشارة إليها من بداية سردية الرواية، وإن أكثرت الكاتبة التساؤل عن معنى مصطلح "آرام" في الرواية فلم تجب عنه بشكل صريح، وهذا يجعلنا نخلص إلى أن مصطلح "آرام" يمثل العلاقة الروحية بين الكاتبة وبين روايتها، وأنه يمثل حالة من حالات الحضور غير المباشر للكاتبة في الرواية.

وتضمنت الرواية عبارات جميلة للكاتبة تروح حِكماً إن شئت قل، أو قل إن شئت تدخلات فلسفية تضفي رمزية المعاني على الأحداث، منها: "إن كنت مؤمناً بحلمك فاتبعهُ أينما كان"، ويبدُ أن هذه العبارة لها خصوصية عند الكاتبة، فقد كانت واحدة من ثلاث جمل قصيرة مثلت مقدمة الرواية، وكانت تستهل بها إهداء الرواية لمن طلب توقيعها على نسخته. ومن أقوالها: "اختر لكسرك صمتاً يليق به" (ص:46)، ومع اختلاف المناسبة، فإن قولها هذا يذكرنا بقول الشاعر العراقي محمد الجواهري:

وحين تَطغَى على الحرّان جمرتهُ --- فالصمتُ أفضلُ ما يُطوى عليه فمُ

ومن أقوالها: "الأرض جميلة طاهرة، فإن لم تزينها بجمال خلقك، فلا تحكِ عن حبها، وأنتَ تلوثُ جمالها بقبحك" (ص:59). ولها القول: "وأما ما في قلبكَ فاتركه في قلبك، سيحتويه معك قبرك" (ص:110). وتقول: "... أكنّا لولا الأحلام حيينا؟!" (ص:131). وتقول: "امض مطمئناً بنقاء سريرتك، خيرٌ لك من أن تتلفت حولك خوفاً من تربص الذئاب" (ص: 152). وتقول: "كم هو مُحزن أن تنظر إلى حذاءك؛ لئلّا تفضح عيناك ما جَنتْ يداك..." (ص: 171).

لا أبالغ إن وصفت الرواية بالجميلة الممتعة، فمع انسياح الأفكار وشرودها وأنت تقرأ الرواية، توقفك دِقة التوصيف، وتكامل الصورة المتخيلة للحدث، مع استذكار كل حلم يرويه بطل الرواية، وتجد له الكاتبة مَدخلاً مُحكماً لاستكمال سياق الرواية، نعم تتعدد تأويلات ومفاهيم قراءة الرواية، وتُؤخذ مضامينها بتفاسير شتى، حسب ميول القارئ، لكن سعة المواضيع التي سردتها الكاتبة في روايتها تجعل مشارب القراء ــ على كل حال ــ تصدر مرتوية، بعد أن وردت ظامئة.

04‏/02‏/2023

الانتحار السياسي

 تعد ممارسة النشاط السياسي من الحاجات الأساسية في تكوين شخصية الفرد، وكلما كان الفرد متحرراً من القيود القانونية والأخلاقية وضوابط العادات والتقاليد كانت جرأته السياسية أكبر، وهذه الجرأة السياسية يمكن أن تتعزز لدى الفرد بفعل وقوعه تحت تأثير احد عاملين: العامل الأول، أن تكون منطلقة من عقيدة سياسية راسخة، وهنا يحاول الفرد جاهداً من خلال نشاطه السياسي إلى كسب التأييد السياسي لصالحه في تبني قضيته التي يرى أنها تعود بالنفع العام على المجتمع، وغالباً ما يتبنى القضايا من هذا النوع الشريحة المجتمعية المثقفة وبدرجات متفاوتة حسب تقدير الأهمية ودرجة النفعية المترتبة عليها.


أما العامل الثاني المؤثر في درجة الجرأة السياسية فهو الاندفاع العاطفي الشخصي، والاندفاع العاطفي للفرد يمكن أن يكون أيضاً أداه من أدوات التأثير السياسي على أفراد المجتمع، حيث يمكنه من خلال التأثير العاطفي كسب مؤيدين لقضيته أو توجهاته السياسية، وغالباً ما ينجرف وراء هذا المؤثر السياسي الفئات المهمشة في المجتمع.

ولما كانت التطلعات السياسية للفئات المهمشة في المجتمع مختلفة ومتباينة، وكل منها تعد قضية بحد ذاتها، وتتطلب عمليات الخوض فيها سقوفاً أكبر من الحرية، فإن الفرد الذي يتخذ من هذه الفئات الشعبية قاعدة سياسية داعمة له، سيجد نفسه مضطراً إلى الانجراف وراء المؤثرات العاطفية، والتحرر أكثر فأكثر من الضوابط القانونية التي تحكم نشاطه السياسي، فتظهر تصريحاته وخطاباته السياسية الموجهة إلى جمهوره السياسي خارجة عن حدود المسؤولية القانونية، الأمر الذي سيتسبب في وقوعه في المصيدة القانونية.

لهذا يمكن اعتبار أن الجرأة السياسية في حالة الاندفاع العاطفي الشخصي اخطر أنواع النشاط السياسي، وأن مآلها إلى الحكم على نفسه بالانتحار السياسي، ليس لأن المنطلق الأساسي لها يكون مرتكزاً على تحقيق مصالح شخصية بحته، ستظهر للعيان مهما استطاع التعمية عليها، ولا لأن الفئات السياسية المؤيدة له ستتخلى عنه وسترفض تأييده في مساعيه لتحقيقها لأنها تتعارض مع ميولهم السياسية وثوابتهم الوطنية فحسب، بل لأنه ستتعاظم لديه عوامل الاندفاع العاطفي الشخصي بشكل اكبر، وسيضطر إلى الإفصاح العلني عن قضيته الشخصية الأساسية، وكلما كان جريئاً في الإفصاح كلما تقلص عدد مؤيديه لأنه يقترب من خصوصية قضيته الشخصية، ويبتعد عن عموم قضايا القاعدة الشعبية المحيطة به، والتي سرعان ما ستتلاشى روابطها السياسية به، ومن ثم سيجد نفسه وحيداً في مواجهة الادعاء العام بقضايا جنائية، وجرائم مكتملة الأركان، تورط فيها وهو في نشوة الاندفاع السياسي العاطفي، ولن يجد حوله إلا المعزين من الفئة القليلة التي لديها شكوك بأن هذا الفرد وقع ضحية مؤامرة، وهذه الفئة أيضاً لن يطول أمد بقائها حوله، فسرعان ما تنتهي مراسم العزاء وتتلاشى، بعد أن تكتشف أن هذا الفرد فاقد للأهلية السياسية.

حق التعبير عن الرأي

 من ابسط الحقوق التي يجب أن تُحفظ للفرد في مجتمعه الذي يعيش فيه، حق التعبير عن الرأي، وحق تبني ما يراه متوافقاً مع مصالحه من مواقف، وهنا نقول حق لا نقول حرية، لأن الحرية في التعبير عن الرأي أو تبني ما يشاء من مواقف، تتأثر بقدرة الشخص على تجاوز القيود المفروضة عليه، أو المحيطة به، سواء كانت قيود قانونية، أو عادات وتقاليد اجتماعية، أو ضوابط دينية، والضابط الوحيد المقبول للحد منها يتمثل في عدم المساس أو التجاوز على حريات الآخرين، في حين أن الحق يُعتبر مصدر أساسي يكفله القانون، وتكفله الذهنية الاجتماعية الواعية المتفهمة، ويمثل عنصر مهم من عناصر التحضر والمدنية والرقي الاجتماعي، وتعتبر السلطة السياسية في أي دولة، هي العنصر الفاعل والمؤثر الأساسي في تعزيز هذا الحق، وإتاحته لأفراد مجتمعها، وهي الوحيدة القادرة على الانتقاص منه، أو توجيهه وفق مصالحها ورؤيتها السياسية.

ولو أردنا إسقاط هذا التصور على الحالة الأردنية، لوجدنا أن العناصر السياسية الفاعلة في المجتمع الأردني، ممثلة بالحراكيين، والمدونين، ومستخدمي تقنيات السوشل ميديا، من أصحاب الآراء والتوجهات المتعارضة مع السياسة العامة للسلطة الرسمية في الدولة الأردنية، يمتلكون الكثير من الحرية، وهنا نؤكد على أنهم يمتلكون الكثير من الحرية، ولكن ليس كل الحرية، إلا أنهم غالباً لا يمتلكون الحق في التعبير عن آراءهم بشكل مطلق، أو يمتلكون الحق في تبني المواقف التي يشاءون تبنيها، نتيجة الحد من هذه الحريات بموجب القوانين المختلفة التي تعرضهم للمسائلة والملاحقة القانونية، وبذرائع وحجج مختلفة، تصر السلطة الرسمية على التمسك بها للحفاظ على نهج الإدارة والسلوك السياسي الذي تتبعه، والذي يكون بدوره واقع تحت مؤثرات واعتبارات متعددة تفرض نفسها على السلطة قبل الفرد.
من هنا يمكن أن نقول بأن كل الأطراف الأردنية التي تعبر عن آراءها أو تتبنى مواقف معينة، سواء كانت متوافقة مع سياسات السلطة الرسمية، أو متعارضة معها، فأنها تصب في اتجاه واحد هو محاولة الرقي في الدولة الأردنية، وعلينا أن نُقر بأن الكل يعمل تحت مظلة الوطنية الأردنية، وأن أي تهجم على طرف من الأطراف ونعته بالصفات السلبية، هو نوع من أنواع التعدي على الحرية، فالوطني الذي يتبنى رؤية السلطة الرسمية هو وطني يمارس حريته في التعبير عن رأيه، ومن العدالة أن تتاح له الفرصة الكافية لذلك، والوطني الذي يقف على خلاف مع أي موقف من مواقف السلطة الرسمية، هو أيضاً وطني، ولا يجوز أن يمنح أي طرف لنفسه الحق بالطعن في وطنيته، أو التشكيك في نواياه، أو تخوينه، أو ممارسة أي نوع من أنواع القهر القانوني بحقه، حتى إن كان أسلوب معالجته للقضايا أو بحثها يتم بأسلوب انفعالي أو تحريضي، يمكن أن يفهم منه المناكفة والتحدي للسلطة الرسمية، نتيجة الكثير من الحرية المتاحة له.

17‏/08‏/2022

مسايسة إيران وإسرائيل

صحيفة عمون : مسايسة إيران وإسرائيل: تمكنت النخبة الحاكمة في إيران من كسب تعاطف شعبي كبير في العديد من الأقطار العربية، نتيجةً لنجاحهم في توظيف حالة الصراع العقائدي بين إيران وإسرائيل...